صلاح بسيوني: من فنزويلا إلى غزّة… لماذا المنطقة العربية ولبنان في قلب العاصفة؟

بقلم صلاح بسيوني
ما جرى في فنزويلا ليس تفصيلاً عابرًا في السياسة الدولية، بل حلقة جديدة في نمط متكامل من السلوك الأميركي القائم على فرض الوقائع بالقوة، مستفيدًا من انهيار منظومة الردع الدولية.
الولايات المتحدة، ومعها حلفاؤها الغربيون، تصرّفت في كاراكاس خارج أي مساءلة حقيقية، تمامًا كما فعلت في غزّة، حيث قدّمت لإسرائيل غطاءً سياسيًا وعسكريًا كاملًا لارتكاب مجازر موثّقة، وسط شلل تام للأمم المتحدة ومجلس الأمن، اللذين تحوّلا عمليًا إلى أدوات تعطيل بيد واشنطن عبر حق النقض.
هذا الانهيار في فاعلية القانون الدولي أكيد لا يبقى محصورًا في ساحاته المباشرة، بل يفتح الباب أمام تعميم النموذج في مناطق أخرى، وفي مقدّمها المنطقة العربية.
العالم اليوم يدخل مرحلة صراع دولي مفتوح، تتراجع فيه القواعد، وتتصدره شريعة القوة، فيما تُستخدم الدول الضعيفة ساحات تصفية حسابات.
المنطقة العربية ليست ضحية صدفة. موقعها الجيوسياسي يجعلها هدفًا دائمًا: أكبر مخزون طاقة تقليدي في العالم، ثروات غازية ومعدنية استراتيجية، وتحكّم فعلي بمفاصل الممرات الدولية من مضيق هرمز وباب المندب، إلى قناة السويس وشرق المتوسط. ومع ذلك، فإن العالم العربي يعيش واحدة من أسوأ لحظات ضعفه التاريخي: دول مفككة، أنظمة مأزومة، اقتصادات منهكة، وانقسامات داخلية حادة، ما يجعله المرشّح الأول ليكون مسرح العمليات في الصراع الدولي القادم.
جوهر هذا الصراع هو المنافسة الأميركية–الصينية على قيادة النظام العالمي. الصين، كقوة اقتصادية صاعدة، تعتمد استراتيجية واضحة: السيطرة على الأسواق عبر التجارة والاستثمار، توسيع مبادرة “الحزام والطريق”، تأمين الطاقة، والتحرر التدريجي من هيمنة الدولار. لهذا نراها تكدّس الذهب، تعزز التبادل بالعملات الوطنية، وتقود تكتلات اقتصادية كـ“بريكس”، في محاولة لكسر احتكار الغرب للنظام المالي العالمي.
في المقابل، تدافع الولايات المتحدة بشراسة عن ركائز هيمنتها: السيطرة على مصادر الطاقة، حماية طرق الإمداد العالمية، والإبقاء على الدولار كعملة احتياط دولية، ما يمنحها قدرة استثنائية على تمويل حروبها وأزماتها عبر طباعة المال وفرض العقوبات. من هنا نفهم لماذا تُشعل واشنطن أو تُغذّي بؤر التوتر في الشرق الأوسط، ولماذا ترفض أي ترتيبات إقليمية مستقلة لا تمرّ عبرها.
لبنان، في هذا السياق، ليس خارج الصورة. هو نموذج مصغّر عن هشاشة الداخل في مواجهة الخارج. بلد مأزوم اقتصاديًا، مشلول سياسيًا، مخترق ماليًا، ومكشوف أمنيًا. موقعه على شرق المتوسط القريب من اوروبا ، وثروته الغازية غير المستثمرة، وحدوده المشتعلة جنوبًا مع إسرائيل، تجعله نقطة تماس في لعبة الأمم. ما يتعرّض له لبنان من ضغوط مالية، حصار غير معلن، تعطيل متعمّد لمسارات النهوض، ليس منفصلًا عن هذا الصراع، بل جزء منه.
الولايات المتحدة تعرف أن نقطة ضعف الصين تكمن في الطاقة، وتعرف أن السيطرة على نفط وغاز المنطقة العربية تمنحها ورقة ضغط استراتيجية. والصين تدرك في المقابل أن كسر احتكار الدولار يمرّ عبر فك الارتباط التدريجي لاقتصادات الطاقة عنه( الغاء البترودولار). وبين هاتين المعادلتين، تُدفع المنطقة العربية، ولبنان ضمنها، إلى قلب المواجهة.
الخلاصة واضحة ومقلقة: في عالم يتفكك فيه القانون الدولي، وتُدار فيه الصراعات بلا خطوط حمراء، فإن من لا يملك قوة داخلية، أو رؤية سيادية مستقلة، سيتحوّل حتمًا إلى ساحة. والمنطقة العربية اليوم، للأسف، أقرب إلى كومبارس في مسرح الصراع الدولي .




