معروف سعد… حين يكون الموقف وطناً

بقلم: آية يوسف المسلماني
حين يهب البحر على شاطئ صيدا، لا يأتي خالياً، بل يوقظ في الموج ذاكرة الرجال الذين مرّوا من هنا وتركوا أسماءهم على صفحة الريح.
المدينة التي تعلّمت من قلاعها معنى الصمود، أنجبت رجالاً يشبهون حجارتها، صامتين حين يجب الصمت، وصلبين حين تحين ساعة الموقف.
في هذه المدينة وُلد معروف سعد، فلم يكن ابن حيٍّ فقط، بل ابن قضية.
لم يتعامل مع السياسة كحرفة، ولا مع النضال كخطابة، بل عاشهما التزاماً يومياً، وموقفاً لا يتبدّل مع تبدّل الرياح.
كان يرى الوطن كرامة قبل أن يكون حدوداً، ويرى العروبة مسؤولية قبل أن تكون شعاراً، ويرى العدالة الاجتماعية شرطاً لا يكتمل الاستقلال من دونه.
آمن بأن ما يُؤخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة، لا بوصفها اندفاعاً أعمى، بل باعتبارها حقاً مشروعاً في مواجهة اغتصاب الحق.
لم يكن العنف غايته، بل الكرامة كانت بوصلته. وكان مقتنعاً أن الشعوب التي تفقد إرادة الدفاع عن أرضها، تفقد تدريجياً قدرتها على الدفاع عن خبزها وقرارها وكرامتها.
لذلك التقى عنده الوطني بالقومي، والتقت فلسطين بوجع الناس في أحياء مدينته، من دون تناقض أو ازدواجية.
لم يفصل يوماً بين المعركة ضد الاحتلال والمعركة ضد الفقر.
كان يرى أن صياداً تُسلب لقمة عيشه لا يقل مظلومية عن أرض تُغتصب، وأن الدولة التي تعجز عن حماية أبنائها من الجوع، تعجز أيضاً عن حمايتهم من التبعية.
لذلك بقي قريباً من الناس، يمشي بينهم لا فوقهم، ويتقدّم صفوفهم حين تتعقّد الخيارات.
لم يكن زعيماً موسمياً، بل واحداً منهم، يعرف أسماءهم، ويعرف أن الكرامة لا تُجزّأ.
كان رجلاً حين تراجع كثيرون.
كان رجلاً حين اختلطت الحسابات بالمصالح.
كان رجلاً لأن كلمته سبقت مصلحته، وموقفه سبق طموحه.
وحين اختار أن يكون في الصف الأول، لم يفعل ذلك بحثاً عن بطولة، بل انسجاماً مع نفسه.
فالرجل الذي يؤمن بفكرته حتى النهاية، لا يعرف موقعاً آخر غير المواجهة.
برحيله لم تغب الفكرة.
بقيت صيدا تذكره لا كصورة على جدار، بل كنبضٍ في ضميرها.
بقي اسمه مرتبطاً بالبساطة التي لا تساوم، وبالصلابة التي لا تتكسّر، وبالإيمان بأن الوطن لا يُختصر بطائفة، ولا يُدار كصفقة، ولا يُحمى بالخوف.
هو ليس ذكرى تُزار مرة في العام، بل سؤال مفتوح في وجه كل زمن: كيف يكون الإنسان وفيّاً لفكرته حتى النهاية؟
ليس اسماً في أرشيف مدينة، بل معياراً يُقاس به الرجال.
ليس ماضياً يُستعاد بالبكاء، بل امتحاناً دائماً.
هل ما زال في هذا الوطن متّسع لرجال لا يساومون؟
وهل ما زال البحر، كلما هبّ على شاطئ صيدا، قادراً أن يوقظ فينا تلك الجرأة… جرأة أن نكون كما كان؟




