جمعية مكانكم معنا”: حين يتحول العمل الإنساني إلى مسؤولية

منذ اللحظة الأولى التي وُقّع فيها قرار ولادتها، لم تنتظر جمعية “مكانكم معنا مكانكم بيننا” زمنًا لتتعلم معنى المسؤولية، بل اندفعت إليه كما يُندفع الضوء في العتمة.

في عبرا – صيدا، لم تكن الجمعية مجرّد إطارٍ مؤسساتي، بل حكاية فعلٍ يومي، تُكتب سطورها بين وجوه الأطفال، وتُروى تفاصيلها في تعب الأمهات، وتُختصر رسالتها في عبارة واحدة: أن لا يُترك أحد وحيدًا على هامش الحياة.

ومع اشتداد الحرب وتزايد موجات النزوح، لم تنكفئ هذه الحكاية، بل اتسعت، وكبرت معها الأعباء، حتى باتت الجمعية تقف في قلب المشهد، تُقاوم العجز بالفعل، وتُرمم ما تكسّر بما استطاعت من إمكانات وإرادة.

في عبرا، حيث تختلط يوميات الناس بين تعب العيش وأمل البقاء، وُلدت جمعية “مكانكم معنا مكانكم بيننا” كاستجابةٍ طبيعية لحاجةٍ ملحّة، لا كترفٍ اجتماعي عابر. منذ حصولها على علم وخبر رقم 1599 بتاريخ 21 تشرين الثاني 2024، بدأت الجمعية تمارس دورها دون تردد، واضعةً نصب عينيها فئة غالبًا ما تُدفع إلى الظل: ذوو الاحتياجات الخاصة، ومن يعانون صعوبات تعليمية واجتماعية.

لم يكن التعليم في رؤية الجمعية مجرد مقاعد وصفوف، بل مساحة لإنقاذ الإمكانات المهدورة. عملت على توسيع المهارات المعرفية للأطفال، وتنمية شخصياتهم، وفتحت أمامهم أبواب الاستمرار في التعليم الجامعي عبر شراكات مع جامعات محلية، من بينها جامعة القديس يوسف.

ولم تكتفِ بذلك، بل سعت إلى ربط التعلم بسوق العمل، عبر توفير فرص مهنية بالتعاون مع معهد الكيان للتعليم المهني، لتتحول المعرفة إلى قدرة، والقدرة إلى استقلال.

في موازاة ذلك، أدركت الجمعية أن التحدي لا يقتصر على التعليم، فمدّت يدها نحو الدعم الشخصي، محاولةً تمكين الأفراد من مواجهة تفاصيل حياتهم اليومية بثقة أكبر. وقدّمت، ضمن هذا المسار، رعاية اجتماعية ونفسية وصحية، لتكون مظلة تحمي من هشاشة الظروف، وتمنح بعض التوازن في حياة مثقلة بالضغوط.

لكن مع اندلاع الحرب، تغيّرت ملامح المشهد. تضاعفت الأعباء، واتسعت رقعة الحاجة، ووجدت الجمعية نفسها أمام اختبارٍ أكبر من إمكاناتها، لكنها لم تتراجع. انتقلت إلى مراكز الإيواء في صيدا، حيث النازحون يحملون بيوتهم في ذاكرتهم، وقدّمت دعمًا نفسيًا لذوي الاحتياجات الخاصة، محاولةً التخفيف من وطأة الصدمة.

وفي مواجهة الجوع، الذي لا ينتظر، ساهمت الجمعية، بدعم المتبرعين، في تأمين 1250 وجبة إفطار ساخنة للنازحين، ضمن تعاونٍ إنساني مع Swiss Baraka Charity، حيث تحوّل الفطور إلى رسالة تضامن، أكثر منه وجبة عابرة.

أما في المجال الصحي، فقد أطلقت الجمعية، بالشراكة مع DCA، مبادرة “لصحة مجتمعنا”، التي تحوّلت إلى يومٍ طبي مفتوح، شمل معاينات للمرضى وتوفير الأدوية، في وقتٍ أصبحت فيه الرعاية الصحية رفاهًا يصعب الوصول إليه.

ولأن الأزمات لا تُقاس فقط بالحاجات الأساسية، بل أيضًا بما تسرقه من فرح، أطلقت الجمعية مبادرات إنسانية أعادت شيئًا من الحياة إلى وجوه الأطفال. من “بسمة عيد” التي وفّرت كسوة العيد لمئة طفل، إلى “لقمة الخير” و”خبز ودفا” اللتين استهدفتا تأمين الغذاء ووسائل التدفئة للنازحين في صيدا والجوار.

وفي لحظاتٍ رمزية، لم تنسَ الجمعية من يحملون عبء الرسالة التربوية، فكرّمت المعلمين والمعلمات النازحين في عيدهم، كما التفتت إلى الأمهات الجنوبيات النازحات في عيد الأم، في محاولة لردّ بعض الجميل لمن يصمدون بصمت.

وللأطفال، الذين لا يفهمون الحروب لكنهم يدفعون أثمانها، نظّمت “كارمس العيد”، حيث تحوّلت المساحات الضيقة إلى ساحات لعب، وارتسمت الضحكات كفعل مقاومةٍ صغير، لكنه عميق.

تقود هذه المسيرة رئيسة الجمعية السيدة يسر همدر، إلى جانب نائب الرئيس الدكتور أسدالله همدر، الذي يشغل أيضًا منصب مدير ثانوية الكيان الدولية في صيدا – عبرا، حيث يتقاطع العمل التربوي مع العمل الإنساني في مسارٍ واحد.

هكذا، لم تكن جمعية “مكانكم معنا مكانكم بيننا” مجرد مؤسسة وُلدت بقرار، بل تجربة تُكتب يوميًا تحت ضغط الحاجة، وتكبر كلما اشتدت الأزمات، لتؤكد أن العمل الإنساني، حين ينطلق من الإحساس الحقيقي بالمسؤولية، لا تحدّه الظروف، بل تدفعه إلى مزيد من الحضور.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى