مصطفى كامل الزين: رئيس بلدية “فوق العادة”

محمد دهشة
في زمنٍ تتكاثر فيه الأزمات وتتراجع فيه الثقة بالمؤسسات، يبرز رئيس بلدية حارة صيدا مصطفى كامل الزين كحالة استثنائية تُعيد تعريف العمل البلدي، لا بوصفه إدارةً روتينية ووظيفة، بل رسالةً تتقاطع فيها المسؤولية مع الكرامة الإنسانية والواجب الوطني.
منذ تولّيه رئاسة بلدية حارة صيدا في أيار الماضي، لم يمضِ وقت طويل حتى بدأ حضوره يفرض نفسه بقوة. لم ينتظر طويلاً ليضع بصمته، فكانت الانطلاقة نهضةً عمرانيةً واضحة المعالم: ساحاتٌ استعادت وجهها، مداخلُ تزيّنت، شوارعُ أُضيئت من العتمة،. بدا المشهد وكأن البلدة تُبعث من جديد، وتستعيد نبضها.
لكن الامتحان الحقيقي لم يكن في التجميل والتنظيم، بل في لحظة الانفجار الكبير، مع اندلاع الحرب الإسرائيلية على لبنان 2026 في الثاني من آذار. هناك، انتقل الزين من دور الإداري إلى دور الواجب. لم يتردد في فتح أبواب البلدة أمام النازحين، فكانت حارة صيدا بيتاً واسعاً يحتضن القادمين من الجنوب، يوزّع الدفء كما يوزّع الأمان.
وحين اشتدّت الحرب، وتكاثرت إنذارات الإخلاء جنوب نهر الليطاني ونهر الزهراني، لم يتراجع، بل وسّع الدائرة. فتح المزيد من المراكز، مؤكداً بموقفه قبل قوله أن الأرض تتسع لأهلها مهما اشتدّ الضيق. لم يكن شعاره مجرد عبارة، بل فعلٌ يوميّ: “لو بدنا نسكّر الشوارع لنستقبل أهلنا الوافدين، لن نتردد، فكرامتهم من كرامتنا.”
وأكد الزين حرص بلدية حارة صيدا على الوقوف إلى جانب أهلها والضيوف، وتقديم كل ما يلزم من إمكانات، انطلاقاً من المسؤولية الوطنية والإنسانية، مؤكداً الحرص على حفظ كرامة أهلنا وضيوفنا وعدم ادخار أي جهد، ولو اقتضى الأمر إقفال الطرقات وتجهيزها للإيواء، وهو أقل الواجب تجاه أبنائنا الذين هم عزتنا وكرامتنا.
وفي مشهدٍ يختصر معنى التكافل، وُلد “مطبخ أم المبنين” في قاعة الشيخ الأمير قبلان، حيث تشابكت أيادي المتطوعات مع النازحات، لا فرق بين يدٍ وأخرى، لإعداد أكثر من ألف وجبة ساخنة يومياً. هناك، لم تكن النار تحت القدور فقط، بل في القلوب أيضاً؛ نار العطاء التي لا تنطفئ.
ومع اتساع رقعة النزوح، لم تغب عنه التفاصيل. حين أُطلقت إنذارات الإخلاء في كفرحتى، سارع إلى استيعاب أبنائها بين المنازل والمراكز، موزّعاً المسؤولية كما يُوزّع الطمأنينة وحوّل الملعب الرياضي والحدائق إلى ملاذٍ كبير،
حتى في ملف النفايات، حيث كادت الأزمة تتفاقم بعد إقفال معمل معالجة النفايات الحديث أبوابه، لم يقف متفرجاً. تحرّك مع اتحاد بلديات صيدا – الزهراني، وعقد الاجتماعات، وزار المعمل، مطالباً بإعادة فتحه، إدراكاً منه أن الأزمات لا تُقاس بحجمها الظاهر فقط، بل بما قد تجرّه من أمراض وأوبئة، خاصة في ظل الحرب الاسرائيلية والنزوح الكبير.
الزين، الذي يردّد أن ما يقوم به ليس عملاً وظيفياً بل واجبٌ إنساني وأخلاقي ووطني، لم يكتفِ باحتضان الأحياء، بل احتضن الشهداء أيضاً. في موقفٍ يرقى إلى مرتبة الوفاء، خصص في مقبرة حارة صيدا جانبا لتكون “وديعة” تحفظ كرامة من لم تسعفهم الظروف ليوارَوا في أرضهم. هناك، تحوّلت الأرض إلى حضنٍ مؤقت، ينتظر أن تعود الأجساد إلى قراها حين تضع الحرب أوزارها.
وفي مشاهد التشييع، لم يكن حاضراً بصفته الرسمية فقط، بل كأبٍ وأخٍ وابن. كان ينتقل من جنازةٍ إلى أخرى، حاملاً النعوش على الأكتاف، كأنما يحمل وجع الناس جميعاً. لم يكن المشهد بروتوكولياً، بل إنسانياً خالصاً، يُختصر فيه معنى الانتماء.
هكذا، يبدو لقب “رئيس بلدية فوق العادة” توصيفاً دقيقاً لرجلٍ مسؤول اختار أن يكون في قلب الحدث، لا على هامشه. رجلٌ أثبت أن القيادة ليست منصباً، بل موقف، وأن البلديات يمكن أن تكون خط الدفاع الأول عن الناس، حين تتحوّل المسؤولية إلى فعلٍ نابض بالحياة.
حفظه الله، وأبقى في هذه البلاد رجالاً يشبهونه، حين تضيق السبل وتتّسع الحاجة إلى من يُضيء العتمة.










