صلاح بسيوني: حين بكت البيوت ورحل أهلها

بقلم صلاح بسيوني
لم يكن النزوح هذه المرة مجرد انتقالٍ من مكانٍ إلى آخر. كان اقتلاعًا موجعًا لجزءٍ من الروح. خرجت العائلات الجنوبية على عجل، كما لو أن الزمن نفسه انكسر فجأة، وكأن الأرض التي احتضنتهم لعقودٍ طويلة أصبحت عاجزة عن حمايتهم من جنون آلة قتل لا تعرف الرحمة.
في لحظات الرحيل، لم يكن أحد يملك الوقت الكافي لوداع بيته. تركوا فناجين القهوة على الطاولات، وتركوها دافئة كما لو أنهم سيعودون بعد قليل. بقيت الصور معلقة على الجدران تنتظر أصحابها، وبقيت الأسرّة مرتبة كما تركها الأطفال صباحًا، وبقيت الأشجار في الحدائق الصغيرة تراقب الأبواب المغلقة بحزنٍ لا يعرف الكلام.
كان الأطفال أكثر من كشف حقيقة المأساة. لم يبكِ بعضهم، لأن الخوف كان أكبر من الدموع. عيونهم الواسعة كانت تسأل أسئلة لا يملك الكبار إجاباتٍ لها: لماذا نرحل؟ لماذا تُترك ألعابنا خلفنا؟ متى نعود؟ كانوا يمشون قرب أمهاتهم وهم يلتفتون إلى الخلف مرارًا، كأنهم يخشون أن تضيع منهم الذاكرة كما ضاع منهم الطريق.
أما الأمهات فكنّ يحملن الوطن بين أذرعهن. لم يكنّ يحملن حقائب أو أمتعة فحسب، بل كنّ يحملن قلق العمر كله. كانت كل أم تضم طفلها إلى صدرها بقوة، وكأنها تريد أن تبني حوله جدارًا من الحنان يحميه من أصوات الحرب ومن قسوة العالم. وفي عيونهن كانت تسكن دموعٌ مؤجلة، دموع لا يسمح لهن الوقت بانهمارها، لأن عليهن أن يبقين قويات أمام أبنائهن.
وربّ العائلة كان يبدو أكثر الناس صمتًا، لكنه كان الأكثر وجعًا. يسير أمام أسرته بخطوات ثابتة، فيما كانت روحه تتعثر خلفه عند باب البيت. يحمل حقيبة صغيرة في يده، في تلك الحقيبة بعض الأوراق والثياب، أما ما تركه خلفه فكان أكبر من أن يُحمل: سنوات التعب، وضحكات الأبناء، وصور الأحبة، وذكريات لا تُقدّر بثمن. كان يمشي إلى الأمام لأن عليه أن يحمي عائلته، كل خطوةٍ يخطوها كانت كأنها تقتلع شيئًا من داخله، ومع ذلك لم يتوقف، لأن عيونًا صغيرة كانت تنتظر منه أن يبقى صامدًا. كان يمشي، لكنه في داخله كان يركض نحو المجهول، يحمل عائلته على كتفيه وقلبه معًا. رجلٌ أثقله الرحيل، لكنه لم يفقد بعد تلك الشرارة الصغيرة التي تقول له: اصمد… لأجلهم.
حين وصلت قوافل الجنوبيين إلى صيدا، شعر كثيرون بأنهم وصلوا إلى حضنٍ يعرفهم ويعرف وجعهم. المدينة الام التي في ذاكرتهم تعبر عن الوحدة الوطنية الجامعه , شعروا بحرارة التضامن وصدق مشاعر اهلها و ساكنيها, المدينة التي شكلت ميزان النضالات الوطنية و القومية منذ اعلان لبنان الكبير.
في صيدا تنفسوا شيئًا من الأمان الذي افتقدوه على الطريق. استقبلتهم المدينة كما تستقبل الأم أبناءها العائدين من الخوف. فتحت البيوت أبوابها، وفتحت القلوب قبلها. امتزجت الدموع بالابتسامات، وتعانقت الأرواح قبل الأجساد، وشعر القادمون أن الوطن ما زال بخير ما دام فيه أناس يتقاسمون الخبز والوجع والأمل.
صيدا لم تستقبل غرباء، بل استقبلت أهلها. وفي تلك اللحظات الصعبة تجلت أجمل صور الوحدة الوطنية والإنسانية. سقطت كل الفواصل الصغيرة أمام مشهد الإنسان المهدد في حياته وكرامته، وبقي معنى واحد فقط: أن اللبناني حين يتألم لا يتركه أخوه وحيدًا.
واليوم، بينما تقف آلاف العائلات على عتبة انتظارٍ طويل، يبقى الحنين هو الرفيق الأكثر حضورًا. حنين إلى بيتٍ تُرك على عجل، إلى شجرة تين في حديقة المنزل، إلى نافذة تطل على صباح القرية، إلى جدران تحفظ أسرار العمر كله. وكل مساء، قبل النوم، يعود النازحون بذاكرتهم إلى هناك، إلى المكان الذي تركوه قسرًا، ويتمسكون بحلمٍ بسيطٍ وعظيم في آنٍ واحد: أن يعودوا.
ومهما طال ليل الخوف، يبقى في قلوب هؤلاء الناس يقينٌ لا ينكسر: أن العودة ليست حلمًا بعيدًا، بل وعدٌ يكتبه الصابرون بدموعهم وصمودهم وإيمانهم بالحياة.
وامام الهمجية الصهيونية وماكينة القتل الغاشمة وأبواق القبول بالعبودية لا خيار امام الناس الا الصمود وابتداع الاساليب المناسبة لتعزيزة . بالوحدة الوطنية نحمي لبنان الذي نحب من السقوط . الابواق التي تروج لسلام الاذعان فاتها ان قرار الحرب والسلم حصرا بيد اسرائيل وداعميها .. لذا لا خيار امامنا الا الصمود و المقاومة بكل اشكالها.




