حين تخسر التربية… لا يوجد منتصر !

✍🏻 حذيفة الملاح

كنتُ قد آليتُ على نفسي ألا أعبّر عن أي موقف بشأن ما جرى في جلسة مجلس النواب التي أفضت إلى إلغاء امتحانات الشهادة الرسمية للعام 2026، إدراكًا مني لحساسية الظرف الذي يمر به الوطن، ورغبةً في عدم الانجرار إلى سجالٍ لا يخدم التربية، بل يعمّق الهوّة، ويزيد من حدّة التوتر ومرارة الانقسام. لكن ما حدث يفرض علي أن أكتب هذه الأسطر من موقع المسؤولية التربوية، لا من موقع الاصطفاف السياسي أو التربوي، لأن الصمت، أمام كل ما جرى في هذا الملف، قد يُفهم على أنه قبولٌ بمنطقٍ لا يمكن أن يشكّل أساسًا سليمًا بعد اليوم لإدارة الشأن التربوي.

من الخطأ أن يفسّر أي طرف ما جرى على أنه انتصارٌ له أو هزيمةٌ لغيره. ففي الحقيقة، لم ينتصر أحد، لأن الخاسر الأكبر كان التربية، ثم انتظام العمل المؤسسي واحترام الأصول التي ينبغي أن تُدار بها الملفات التربوية، وفي مقدمتها قضية الشهادات الرسمية.

لقد كانت السنة الدراسية استثنائية بكل المقاييس، بفعل ظروف الحرب وما رافقها من تحديات أمنية وإنسانية وتعليمية، وهو ما فرض البحث عن حلول استثنائية تراعي مصلحة الطلاب وتحفظ حقهم في استمرارية التعليم. ومن غير المقبول تحميل الطلاب مسؤولية واقع لم يصنعوه، فهم كانوا أول المتضررين من الأزمات المتلاحقة ومن الفاقد التعليمي الذي راكمته السنوات الأخيرة.

لكن الاعتراف باستثنائية الظروف لا يعني أن نتعامل مع الاستحقاقات التربوية بمنطق ردّات الفعل أو المزايدات. فإلغاء الامتحانات الرسمية بالجملة، مهما كانت مبرراته، لاسيما في شهادة الإجازة الفنية وبعض الاختصاصات المهنية، يترك أسئلة جوهرية حول آليات التقييم، وجودة التعلّم، وقيمة الشهادة الرسمية، ومستقبل دفعة كاملة من الطلاب ستنتقل إلى التعليم الجامعي أو إلى سوق العمل من دون أن تخضع لتقييم وطني جامع يعكس مستوى اكتسابها للكفايات الأساسية.

القرار قد اتُّخذ. فما كُتب قد كُتب. وأصبح كل هذا الصخب وراءنا، لكن تداعياته ما زالت ماثلة أمامنا اليوم. صحيح أن القرار أزاح عبئًا عن كاهل عددٍ من الطلاب الذين قست عليهم الحرب، وطحنتهم السجالات وفتكت التصريحات باستعداداتهم للامتحانات، وضربت جهوزيتهم للتقييم، لكنه لم يعالج مشكلتهم ولا مستقبلهم الأكاديمي والمهني. الطريقة التي أُدير بها النقاش حول الموضوع لا يمكن تجاوزها. فقد تابع اللبنانيون عبر الشاشات سجالًا حادًا، وخطابات وتصريحات خرج بعضها عن حدود اللياقة المهنية، ولم ينسجم مع أخلاق الخطاب الإعلامي أو الرسالة التربوية. وكان الأولى أن يُدار هذا الملف بالحوار الهادئ، والمنطق السليم، والاحتكام إلى أهل الحل والعقد، والبحث المشترك عن أفضل السبل لحماية مصلحة الطلاب، بدل تحويله إلى مادة للاستعراض الإعلامي أو لتسجيل المكاسب السياسية، خاصة أن أحدًا لم يلفت في غمرة هذه الضجة إلى ما بعد هذا القرار. فالأولوية اليوم يجب أن تكون لاستنفار الجهود من أجل خطة تدخل وطنية لحماية مستقبل لبنان، وصون رأسماله البشري. لا بد من إجراءات استثنائية لتعويض الفاقد التعليمي لدى أبنائنا، على أن يبدأ تنفيذها مع مطلع العام الدراسي المقبل، لوضع حد لهذه الأزمة الآخذة بالتضخم، وعدم انتقالها إلى المراحل اللاحقة.

إن التربية لا تُدار بالنكد، أو بالاستعراض، ولا بالعناد أو بالإنكار، ولا بمنطق الغلبة وكسر الإرادات، بل تُدار بالحوار، والانفتاح، والشراكة، والاحترام المتبادل بين جميع مكوّناتها، وفي مقدمتها الإدارة التربوية والسياسية المعنية بالشأن التربوي. وعندما تغيب هذه الشراكة، تصبح التربية والتعليم أولى ضحايا الانقسام، ويدفع طلابنا ثمن خلافات لا ناقة لهم بها ولا جمل.

ومن هنا، لا ينبغي لأي طرف أن يعتبر أنه انتصر. فالانتصار يكون بردم الفجوة التعليمية ومعالجة الأسباب التي دفعت لإلغاء الامتحانات الرسمية، والاستعداد لعام دراسي قادم مثقل بالأعباء والهموم. إن الخطاب القائم على التجريح الشخصي، وكيل الشتائم والإساءات بحق المسؤولين، أيًا كانت مواقعهم، لا يصنع انتصارًا على الاطلاق، بل هو إضعاف لهيبة الدولة ومؤسساتها واحترام صلاحياتها، وتأسيس لأزمة أعمق.

إن ما جرى يكشف، مرةً جديدة، حجم التحديات التي يواجهها التعليم في لبنان. فنحن لا نواجه فقط فاقدًا تعليميًا متراكمًا، بل نواجه أيضًا اهتراءً في انتظام الروتين التربوي، وتراجعًا في الثقة بالسياسات التعليمية، وقلقًا متزايدًا على قدرة النظام التربوي على ضمان العدالة والجودة وتكافؤ الفرص بين جميع المتعلمين، و-الأسوأ من ذلك- انكفاء صوت العقل ومنطق الحُجّة لصالح خطاب الشارع.

التربية ليست خدمةً إدارية عابرة، بل هي المشروع الوطني الأهم لصناعة الإنسان، وبناء المواطنة، وتعزيز القيم، وتحقيق التنمية المستدامة. والمرحلة المقبلة تتطلب مراجعة هادئة ومسؤولة، بعيدًا عن لغة التخوين والانتصارات الوهمية. المطلوب اليوم ليس البحث عن رابح وخاسر، بل استعادة الثقة بالمؤسسات، وإطلاق حوار وطني تربوي جاد يضع مصلحة الطلاب فوق كل اعتبار، ويؤسس لسياسات تعليمية مستقرة، قادرة على مواجهة الأزمات من دون التفريط بجودة التعليم أو بهيبة الشهادة الرسمية.

لقد علّمتنا التجارب أن الأزمات تمر، لكن آثار القرارات التربوية تبقى سنوات طويلة. لذلك، فإن مسؤوليتنا جميعًا، وزارة ومؤسساتٍ وقوى سياسيةً وتربويةً ومجتمعًا، أن نحمي التربية من التجاذبات، وأن نبقيها مساحةً للتوافق الوطني، لا ساحةً للصراع.

قد يختلف السياسيون في حساباتهم، وتتبدل المواقف والاصطفافات، لكن الحقيقة التي لا تتغير هي أنه حين تخسر التربية… لا يوجد منتصر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى