الفلسطيني في لبنان… حقوق مؤجلة منذ عقود

بقلم: آية يوسف المسلماني
ليس أصعب على الإنسان من أن يشعر بأنه مطالب بكل الواجبات، فيما تبقى أبسط حقوقه مؤجلة إلى أجلٍ غير معلوم.
هذه ليست حكاية فرد، ولا قصة عائلة واحدة، بل حكاية عشرات آلاف الفلسطينيين في لبنان، الذين يستيقظون كل صباح وهم يحملون الهم نفسه: كيف يعيش الإنسان بكرامة إذا كانت القوانين تضيّق عليه في كل محطة من حياته؟
الفلسطيني في لبنان يدفع إيجار منزله، ويدفع رسوم البلدية، وفواتير الكهرباء والمياه، ويساهم في تحريك عجلة الاقتصاد، ويستهلك من الأسواق اللبنانية، ويعيش تفاصيل هذا البلد بكل ما فيه من أزمات ومعاناة.
يتحمل ما يتحمله أي مقيم على هذه الأرض، لكنه حين يطالب بحقوقه الأساسية، يُواجَه دائماً بجدار من القيود.
كم هو مؤلم أن يعيش الإنسان عمره كله في مكان، ثم يبقى يشعر أنه عالق بين حقٍ لا يُمنح، ومستقبلٍ لا يستطيع أن يرسمه بحرية.
ولعل أكثر ما يؤلم هو وجع الشباب الفلسطيني. طلابٌ يسهرون الليالي، ويجتهدون في الجامعات، ويحصلون على شهادات حلموا بها سنوات طويلة، ثم يكتشفون بعد التخرج أن أبواباً كثيرة أُغلقت في وجوههم قبل أن يطرقوها.
طبيب لا يستطيع أن يمارس مهنته كما يستحق، ومهندس يقف عاجزاً أمام اختصاصه، ومحامٍ لا يجد الطريق الذي درس من أجله، وغيرهم كثيرون ممن تحولت شهاداتهم إلى أوراق معلقة على الجدران، بدل أن تكون جسراً نحو مستقبل أفضل.
ليس لأنهم أقل كفاءة، ولا لأنهم أقل اجتهاداً، بل لأن هويتهم الفلسطينية ما زالت تُستخدم سبباً لحرمانهم من حقوق يفترض أن تكون حقاً طبيعياً لكل إنسان.
ثم يأتي حلم الاستقرار…
كم من فلسطيني عمل سنوات طويلة، وادخر من تعب عمره، ليؤمن سقفاً يحمي أبناءه، لكنه اصطدم بقوانين تمنعه من تملك منزل يشعر فيه بالأمان.
وكأن حتى الحلم البسيط ببيت يأوي العائلة أصبح ترفاً لا يحق له.
الفلسطيني لا يطلب امتيازات، ولا يسعى إلى تجاوز أحد، ولا يطالب بما يمس خصوصية لبنان أو ثوابته الوطنية.
هو يطالب فقط بحقه في أن يعمل، وأن يتعلم، وأن يعيش بكرامة، وأن يكون تعبه سبباً لبناء مستقبله، لا سبباً لإحباط جديد.
إن المطالبة بالحقوق المدنية والاجتماعية لا تعني التوطين، كما يحاول البعض تصويرها.
فالتمسك بحق العودة لا يتناقض مع حق الإنسان في حياة كريمة إلى أن يعود إلى وطنه.
والكرامة الإنسانية لا تلغي الهوية الوطنية بل تحميها.
لقد آن الأوان لفتح هذا الملف بعيداً عن الخوف والشعارات والانقسامات.
آن الأوان لمراجعة القوانين التي كرّست التمييز لعقود، وإعادة النظر في القيود التي تحرم الفلسطيني من العمل في المهن التي تؤهله لها شهاداته، ومن الحقوق المدنية التي تحفظ كرامته، بما ينسجم مع الدستور اللبناني ويحفظ في الوقت نفسه خصوصية لبنان وثوابته.
من هنا أتوجه بنداء صادق إلى فخامة رئيس الجمهورية، ودولة رئيس مجلس الوزراء، ودولة رئيس مجلس النواب، وإلى الوزراء والنواب وكل المعنيين في الدولة اللبنانية، أن ينظروا إلى هذا الملف بعين العدالة والإنسانية، وأن يفتحوا باباً حقيقياً للإصلاح القانوني الذي ينصف الإنسان الفلسطيني، ويحفظ كرامته، ويؤكد صورة لبنان كدولة تحترم حقوق الإنسان.
كما أتوجه إلى القيادات الفلسطينية، وإلى السفارة الفلسطينية، والفصائل، واللجان الشعبية، وكل الجهات المعنية بالملف الفلسطيني في لبنان، بأن تتحمل مسؤولياتها الوطنية، وأن تجعل الحقوق المدنية والاجتماعية لأبناء شعبها أولوية دائمة، لا ملفاً يُفتح عند كل أزمة ثم يُطوى من جديد.
إن الفلسطيني في لبنان لا يريد أن يبقى عنواناً للحرمان، ولا أن يكون ملفاً مؤجلاً بين السياسة والقانون.
يريد أن يشعر بأن صوته مسموع، وأن تعبه مقدّر، وأن أبناءه يستطيعون أن يحلموا بمستقبل يشبه تعبهم.
فإلى متى سيبقى الفلسطيني يدفع ثمن نكبة لم يصنعها؟
وإلى متى سيبقى حقه في العمل والاستقرار والكرامة مؤجلاً، فيما تمر السنوات ويكبر جيل جديد يحمل الوجع نفسه؟
ربما آن الوقت لأن يتحول هذا الوجع إلى قرار.
قرار يعيد للإنسان حقه، ويحفظ للبنان ثوابته، ويؤكد أن العدالة لا تتجزأ.



