بين ثلاثة عصور… رحلة صحافي من القلم إلى الذكاء الاصطناعي
23-7-2026

كتب محمد دهشة
اليوم أخوض أولى تجاربي في كتابة النصوص بمساعدة الذكاء الاصطناعي، لا ليحل محل الذكاء البشري، بل ليضيف إليه بعدًا جديدًا، ويمنحه أدوات أوسع للتعبير والإبداع.
جاءت هذه الخطوة بعد أن أنهيت للتو، مع ثلة من الزملاء الصحافيين في صيدا، دورة تدريبية حول توظيف الذكاء الاصطناعي في العمل الإعلامي، نظمتها مؤسسة الحريري للتنمية البشرية المستدامة، بإشراف ودعم رئيسة مؤسسة الحريري ونائب رئيس تيار المستقبل الحاجة بهية الحريري، التي ما زالت تؤمن بأن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الأكثر بقاءً.
لم تكن الدورة مجرد تدريب على برامج جديدة، بل كانت أشبه بعبور إلى ضفة مختلفة من المهنة؛ ضفة تمتد فيها الكتابة والصورة والفيديو إلى آفاق لم تكن تخطر في البال قبل سنوات قليلة. وبينما كنت أستمع إلى الشروحات وأجرب الأدوات الحديثة، وجدتني أستعيد تلقائيًا شريطًا طويلًا من الذكريات، يمتد على عقود من العمل الصحفي، وكأن المهنة نفسها تقلب صفحات عمرها أمامي.
لقد عشت، مثل كثيرين من أبناء جيلي، ثلاث مراحل مفصلية شكّلت تاريخ الصحافة وتحولاتها. المرحلة الأولى هي مرحلة الحبر والورق والصبر الجميل. يومها كنا نكتب الأخبار بالقلم على الورق، كلمةً كلمة، وسطرًا سطرًا، قبل أن ننتقل إلى الآلة الكاتبة ثم إلى الكومبيوتر.
كنا نحمل كاميرات الأفلام، نلتقط الصور، ثم ننتظر تظهيرها بقلق يشبه انتظار نتائج الامتحانات. وبعد اختيار الصورة الأفضل، تُرسل الأخبار والمواد الصحفية مع سائق سيارة أجرة إلى بيروت، حيث كانت الصحف اليومية تُطبع ليلاً لتصل إلى القراء في صباح اليوم التالي. كان الخبر يحتاج إلى جهد ووقت ومسافة، وكانت لكل كلمة رائحة الحبر، ولكل صورة حكاية، ولكل عدد من الصحيفة شيء من تعب أصحابه وفرحتهم.
ثم جاءت المرحلة الثانية، يوم دخل الكمبيوتر إلى مكاتب الصحافيين وغرف التحرير. يومها شعر كثيرون بالخوف من القادم، بينما رأى آخرون فيه فرصة لا تهديدًا. كنا نؤمن أن الوقوف على هامش التطور ليس حيادًا، بل بداية للتراجع، وأن من يرفض التعلم يحكم على نفسه بأن يصبح غريبًا عن مهنته.
لذلك خضنا التجربة بكل ما فيها من رهبة واكتشاف، حتى أصبح الكمبيوتر رفيقنا اليومي، ثم لحقت به الكاميرا الرقمية، فالإنترنت، والبريد الإلكتروني، ثم الهاتف الجوال، لتتغير سرعة العمل الصحفي جذريًا. لم تعد الأخبار تنتظر سيارة أجرة ولا موعد الطباعة؛ أصبحت تصل في لحظات، وصار السباق مع الزمن جزءًا من تفاصيل المهنة.
ولم تتوقف عجلة التطور عند هذا الحد، إذ فرضت وسائل التواصل الاجتماعي واقعًا إعلاميًا جديدًا. دخلت منصات التواصل إلى قلب العمل الصحفي، وأصبحت المواقع الالكترونية ومجموعات “واتساب” ومكالمات الفيديو والبث المباشر أدوات يومية في متابعة الأحداث ونقلها.
في المقابل، بدأت الصحف الورقية تنكمش تدريجيًا، واختفت كثير من الطقوس التي رافقت جيلاً كاملاً من الصحافيين، لتفسح المجال أمام إعلام رقمي سريع ومتجدد، يفرض على الصحافي أن يكون حاضرًا في كل لحظة.
واليوم نعيش المرحلة الثالثة؛ مرحلة الذكاء الاصطناعي. ربما هي أكثر المراحل إثارة للدهشة – (وانا محمد دهشة من خارج نص الذكاء الاصطناعي)، لأنها لا تقدم لنا أدوات جديدة فحسب، بل تعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والتقنية. ها نحن نجرب للمرة الأولى أن نستعين بالذكاء الاصطناعي في كتابة النصوص، وإنتاج الصور، وصناعة الفيديو، والبحث، والتحليل، وتنظيم الأفكار، دون أن نفقد جوهر المهنة.
فالآلة تستطيع أن تقترح، لكنها لا تشعر؛ وتستطيع أن تجمع المعلومات، لكنها لا تعيش الحكاية؛ وتستطيع أن تصوغ الكلمات، لكنها لا تعرف نبض الناس ولا حرارة الميدان.
وأنا أخوض هذه التجربة، أشعر أنني لا أغادر الماضي، بل أحمله معي إلى المستقبل. فما زلت أرى في ذاكرتي دفاتر الملاحظات، والكاميرات القديمة، ورائحة الأفلام الفوتوغرافية، وأصوات المطابع التي كانت تعلن ولادة عدد جديد مع أول خيوط الفجر. تلك التفاصيل لم تعد أدوات عمل فحسب، بل أصبحت جزءًا من ذاكرة جيل صنع صحافته بالصبر، قبل أن تصنعها السرعة.
قد تتغير الوسائل، وتتبدل التقنيات، وتتعاقب الثورات الرقمية، لكن ما لا ينبغي أن يتغير هو جوهر الرسالة. فالصحافة لم تكن يومًا مجرد وظيفة نتقاضى عنها أجرًا، بل كانت وستبقى رسالة وطنية وواجبًا أخلاقيًا، عنوانهما الحقيقة، وبوصلتهما الإنسان.
أما نحن، فسنواصل التعلم ان شاء الله، مهما تبدلت الأزمنة، لأن الصحافي الذي يتوقف عن التعلم يتوقف عن الحياة المهنية نفسها. سنستفيد من الذكاء الاصطناعي، لكننا لن نسمح له أن ينتزع منا روح المهنة. ستبقى أقلامنا هي المشكاة التي تهدي إلى الكلمة الصادقة، وستظل أعيننا تبحث عن الحقيقة قبل الخبر، وعن الإنسان قبل الحدث، وعن العدالة قبل السبق الصحفي.
وفي مدينتنا صيدا، كما في فلسطين ومخيمات اللجوء، ستبقى رسالتنا أن ننقل وجع الناس وآمالهم بضمير حي، وأن نكتب للتاريخ كما نكتب للحاضر. فالذكاء الاصطناعي قد يختصر الوقت، لكنه لن يختصر القلب، ولن يكون يومًا بديلًا عن صحافي يؤمن بأن الكلمة الصادقة قادرة، مهما تبدلت الأزمنة، على أن تصنع فرقًا في حياة الناس.
شكرًا لمؤسسة الحريري وسيدتها الحاجة “أم نادر”. والى المدربة المتألقة دينا الحاج علي باسمي وباسم الزملاء المشاركين في هذه الدورة، التي فتحت أمامنا آفاقًا جديدة لمواكبة تطور العمل الإعلامي. ونسأل الله أن يمدّ في أعمار أبناء الجيل الأول من زملائنا الصحافيين، الذين ما زالوا يحملون في ذاكرتهم حلو الذكريات ومرّها، ويختزنون تاريخًا طويلًا من العطاء في “مهنة المتاعب” التي لا تنتهي… 36 عاما على الطريق وما زال العطاء مستمرا.

صورة الذكاء الاصطناعي في الفضاء الافتراضي

صورة الدورة الحقيقية على أرض الميدان




