مصطفى معروف سعد … أربعة وعشرون عاماً من الحضور في ذاكرة الوطن

بقلم عمر ترجمان
تمر الذكرى الرابعة والعشرون لغياب رمز المقاومة الوطنية اللبنانية، المناضل مصطفى معروف سعد، فيما لا تزال صورته حاضرة في الوجدان الوطني، لا بوصفه قائداً سياسياً فحسب، بل باعتباره أحد أبرز صنّاع مرحلة مفصلية من تاريخ لبنان، حين امتزجت السياسة بالمقاومة، والكلمة بالفعل، والتضحية بالإيمان العميق بأن الوطن لا يُصان إلا بوحدة أبنائه وبمواجهة الاحتلال.
لم يكن مصطفى معروف سعد وريثاً لاسم الشهيد معروف سعد فحسب، بل كان امتداداً طبيعياً لمدرسة وطنية نذرت نفسها للدفاع عن الإنسان وكرامته، وعن عروبة لبنان وانتمائه القومي، وعن حق شعبه في مقاومة الاحتلال. فمنذ توليه الأمانة العامة للتنظيم الشعبي الناصري عام 1975، بعد استشهاد والده، حمل الراية بثبات، في واحدة من أكثر المراحل تعقيداً وخطورة في تاريخ لبنان.
في زمن الحروب والاجتياحات، اختار أن يكون في الصفوف الأولى. ومع الاجتياح الإسرائيلي الأول عام 1978، تولى قيادة القوات المشتركة اللبنانية الفلسطينية في الجنوب، ثم كان من أوائل المؤسسين لجبهة المقاومة الوطنية اللبنانية عقب اجتياح عام 1982، مؤمناً بأن مقاومة الاحتلال واجب وطني لا يحتمل المساومة ولا التردد.
وفي مدينة صيدا، التي أحبها وأحبته، قاد العمل المقاوم من موقع المنسق بين فصائل جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، فشكّل نموذجاً في إدارة العمل الوطني المشترك، واضعاً المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار. ولم يكن يرى في المقاومة مجرد بندقية تواجه الاحتلال، بل مشروعاً وطنياً شاملاً يحفظ وحدة اللبنانيين ويصون استقلال قرارهم.
وعندما عصفت الانقسامات بالساحة اللبنانية والفلسطينية، لم يقف متفرجاً، بل كان من المبادرين إلى رأب الصدع، وأسهم في إنهاء حرب المخيمات، واحتضن منزله اللقاءات التي أعادت جسور الحوار بين المتخاصمين، انطلاقاً من قناعته بأن البندقية التي تواجه الاحتلال يجب ألا تُوجَّه إلى صدور الأشقاء.
ولأن المقاومة عنده كانت مشروع حياة، لم تقتصر على ميادين القتال، بل امتدت إلى بناء المؤسسات وخدمة المجتمع. فأسس مؤسسة معروف سعد الثقافية الاجتماعية الخيرية، ووسّع خدماتها الصحية والاجتماعية لتصل إلى مختلف المناطق، كما أنشأ مركز معروف سعد الثقافي ليكون منارة للفكر والثقافة والحوار، إيماناً منه بأن بناء الإنسان لا يقل أهمية عن تحرير الأرض.
وكان الثمن الذي دفعه كبيراً. فقد تعرض منزله للمداهمة والاعتقال والتحقيق على يد قوات الاحتلال، ونجا من أربع محاولات اغتيال، كانت أقساها عام 1985، عندما قام العدو الصهيوني وعملاؤه بتفجير منزله، ما أدى إلى استشهاد ابنته ناتاشا، وفقد هو بصره متأثراً بجراحه. لكن الاحتلال الذي نجح في إطفاء نور عينيه عجز عن إطفاء بصيرته وإرادته، فخرج من محنته أكثر صلابة، وأكثر تمسكاً بخيار المقاومة، وأكثر إيماناً بأن الحرية لا تُنال إلا بالتضحيات.
وفي العام نفسه، أسس وقاد جيش التحرير الشعبي – قوات الشهيد معروف سعد، الذي خاض معارك بطولية ضد الاحتلال الإسرائيلي وعملائه على جبهات الجنوب، كما وقف داعماً للمقاومة الإسلامية في أصعب مراحلها، انطلاقاً من إيمانه بأن كل بندقية تتجه نحو الاحتلال هي رصيد للبنان، وأن وحدة المقاومين هي الطريق الأقصر إلى التحرير.
ولم تمنعه سنوات الحرب والجراح من مواصلة العمل السياسي. فقد انتخبه اللبنانيون نائباً عن الجنوب لثلاث دورات متتالية، مانحين إياه في انتخابات عام 2000 أعلى عدد من الأصوات ناله مرشح في تاريخ الانتخابات اللبنانية آنذاك، في تعبير صادق عن الثقة الشعبية التي حازها، وعن المكانة التي احتلها في قلوب الناس.
أما حضوره العربي، فكان انعكاساً لمكانته الوطنية والقومية. فقد حظي بتقدير عدد من القادة العرب، ونال أوسمة وتكريمات تقديراً لدوره في مقاومة الاحتلال وخدمة القضية الفلسطينية، لكنه ظل يعتبر أن أعظم وسام هو ثقة الناس، وأن شرف المناضل الحقيقي هو أن يبقى منحازاً لقضايا شعبه حتى آخر لحظة.
واليوم، وبعد أربعة وعشرين عاماً على رحيله، يبدو مصطفى معروف سعد أكثر حضوراً من أي وقت مضى. ففي ظل ما يواجهه لبنان من تحديات، وما يتعرض له الجنوب من اعتداءات إسرائيلية متكررة، تستعيد سيرته معناها الحقيقي، بوصفها دعوة دائمة إلى التمسك بخيار المقاومة، وإلى حماية الوحدة الوطنية، وإلى رفض كل محاولات الفتنة والانقسام، لأن الأوطان لا يحميها سوى تماسك أبنائها وإيمانهم بعدالة قضيتهم.
إن ذكرى مصطفى معروف سعد ليست مناسبة لاستحضار الماضي فحسب، بل محطة لتجديد العهد مع القيم التي ناضل واستشهد من أجلها رفاق دربه؛ قيم الحرية والكرامة والعدالة والوحدة الوطنية. فالقادة الكبار لا يرحلون عندما يغيبون عن الدنيا، بل يبقون أحياء في ذاكرة الشعوب، وفي كل موقف وطني، وفي كل مقاوم يحمل قضيته بإيمان، وفي كل إنسان يؤمن بأن لبنان يستحق أن يُدافع عنه مهما بلغت التضحيات.
رحل الجسد قبل أربعة وعشرين عاماً، أما مصطفى معروف سعد فبقي اسماً لا ينفصل عن المقاومة الوطنية اللبنانية، ونهجاً سياسياً ووطنياً ما زال يلهم الأجيال، ويؤكد أن الرجال الذين يصنعون التاريخ لا يغيبون، بل يتحولون إلى جزء من ذاكرة الوطن وهويته.
وفي ذكراه الرابعة والعشرين، لا يكون الوفاء له بكلمات الرثاء، بل بتجديد العهد على الثبات على المبادئ التي عاش وناضل من أجلها، وبالتمسك بخيار المقاومة في مواجهة الاحتلال، وصون الوحدة الوطنية، والدفاع عن العدالة والكرامة وحقوق الناس.
نعاهدك، يا مصطفى معروف سعد، أن تبقى مدرستك الوطنية منارة نهتدي بها، وأن نستمد من سيرتك الصبر والإرادة، ومن مواقفك الشجاعة والصدق، وأن يبقى نهجك حاضراً في وجداننا وعملنا، حتى يبقى لبنان عزيزاً حراً، وتبقى المقاومة عنوان عزته، وتبقى القضية الوطنية والقومية أمانة نحملها جيلاً بعد جيل.




