العمل عبر الإنترنت…نافذة الفلسطينيين في لبنان لكسر البطالة وقيود القوانين
الأربعاء 22 يوليو 2026

ملاك الأموي
لم يعد الحصول على فرصة عمل مستقرة بالنسبة للاجئين الفلسطينيين في لبنان مهمة سهلة، في ظل تفاقم الأزمة الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة واستمرار القيود القانونية التي تحد من وصولهم إلى العديد من المهن.
وأمام هذا الواقع، صار العمل عبر الإنترنت يشكل خياراً متنامياً لدى شريحة من الشباب، ممن وجدوا في المهارات الرقمية وسيلة لتأمين مصدر دخل يتجاوز حدود الجغرافيا والجنسية، رغم ما يواجهه هذا القطاع من تحديات تتعلق بالبنية التحتية والمنافسة المتزايدة والتطور السريع لتقنيات الذكاء الاصطناعي.
وتشير بيانات المؤسسة الفلسطينية لحقوق الإنسان “شاهد” إلى أن قوة العمل بين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان لا تتجاوز 25.6 بالمئة، فيما يعاني كثيرون من صعوبة الحصول على وظائف مستقرة بسبب الأوضاع الاقتصادية والقيود المفروضة على سوق العمل.
ونرصد في هذا التقرير نماذج لشباب فلسطينيين نجحوا في تحويل العمل عبر الإنترنت إلى مصدر رزق، إلى جانب قراءة اقتصادية لواقع هذا القطاع وإمكاناته في التخفيف من أزمة البطالة داخل المخيمات.
التدريس عن بُعد… فرصة تتجاوز قيود الجنسية
من مخيم عين الحلوة، استطاعت شروق الصاوي أن تحول مهارتها في اللغات إلى مهنة مستقرة عبر الإنترنت، بعدما بدأت العمل خلال جائحة كورونا، لتواصل حتى اليوم تدريس اللغة الإنجليزية عن بُعد.
وتقول الصاوي لبوابة اللاجئين الفلسطينيين: إنها تقدم دروساً في اللغة الإنجليزية، إضافة إلى تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، فضلاً عن دورات تحضيرية لامتحان IELTS، موضحة أن طلابها تتراوح أعمارهم بين أربعة أعوام وستين عاماً، وينتمون إلى جنسيات متعددة، من بينها السعودية والإمارات ولبنان.

وتؤكد أن هذا العمل يؤمن لها دخلاً يغطي احتياجاتها الأساسية، إلا أنه لا يخلو من العقبات، وفي مقدمتها الانقطاع المتكرر للكهرباء، الذي يؤدي أحياناً إلى توقف الحصص التعليمية بصورة مفاجئة.
وترى الصاوي أن أبرز ما يميز العمل عبر الإنترنت هو أنه يخفف من أثر القيود المفروضة على الفلسطينيين في سوق العمل اللبناني، موضحة” “طالما أن عملي يعتمد على الإنترنت، لا أحد يسألني عن جنسيتي، وأستطيع تدريس أشخاص من مختلف الجنسيات من دون أن يشكل ذلك أي مشكلة.”
وتضيف: أن القيود القانونية دفعتها إلى هذا المسار، إذ لا تستطيع ممارسة مهنة الترجمة المحلفة لعدم منحها الختم الرسمي الذي يخولها مزاولة المهنة لأنها ليست لبنانية الجنسية، ما جعل العمل الحر عبر الإنترنت الخيار الأكثر واقعية بالنسبة إليها.
البرمجة والعمل الحر… خيار مؤقت بانتظار الهجرة
أما اللاجئ محمد عثمان، المقيم في مدينة طرابلس ويعمل في مجال البرمجة بنظام العمل الحر (Freelance)، فيقول: إن تخرجه لم يفتح أمامه أبواب سوق العمل، بسبب محدودية الفرص المتاحة.
ويضيف عثمان لبوابة اللاجئين الفلسطينيين: “عوضاً عن الجلوس بلا عمل، قررت أن استغل مهاراتي واعمل عبر الإنترنت مقابل أجر، حتى لو كان المردود المالي بسيطاً ولا يلبي كل احتياجاتي.”
ويصف عثمان العمل الحر بأنه حل مؤقت أكثر منه خياراً دائماً، مؤكداً أنه يسعى للهجرة بحثاً عن فرص أفضل، ويقول: “إلى أن تتحقق فرصة السفر، فضّلت أشتغل وأطور خبرتي، حتى لو كان العمل عن طريق الإنترنت.”

التصميم الرقمي… دخل يتراجع أمام الذكاء الاصطناعي
بدورها، وجدت اللاجئة الفلسطينية سحر حسين، والتي تقطن في مدينة صور، في العمل الرقمي بديلاً بعد سنوات من البحث عن وظيفة عقب تخرجها بتخصص هندسة الديكور.
وتقول: إنها رغم تفوقها الجامعي لم تتمكن من الحصول على فرصة عمل، معتبرة أن جنسيتها الفلسطينية كانت سبباً في استبعادها من التوظيف بصورة غير مباشرة.
وتوضح حسين لبوابة اللاجئين الفلسطينيين، أنها اتجهت قبل نحو عام ونصف إلى تقديم خدمات التصميم الداخلي للمنازل والورش الصغيرة، إلى جانب تصميم الإعلانات وبطاقات المناسبات، بعد تلقيها تدريباً في التصميم الغرافيكي، حيث تنفذ بطاقات عيد الأم وعيد المعلم والأعياد، إضافة إلى بطاقات المواليد والأعراس والإعلانات التجارية.

وتشير إلى أن هذا النوع من العمل ينشط خلال مواسم المناسبات، وأصبح مصدر رزقها الأساسي، إلا أنه لا يكفي لتغطية متطلبات الحياة، مؤكدة أن اللاجئ الفلسطيني في لبنان لا يزال يواجه ظلماً كبيراً في الوصول إلى فرص العمل.
وتلفت اللاجئة حسين، إلى أن ضعف الإنترنت يؤثر بشكل مباشر على إنجاز أعمالها، لكن التحدي الأكبر يتمثل في الانتشار الواسع لأدوات الذكاء الاصطناعي، التي قلصت الطلب على خدمات التصميم.
وأوضحت حسين: “أصبح كثير من الناس يصممون بطاقات الأعراس والمناسبات باستخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي خلال دقائق، بعدما كانوا يلجؤون إلى المصممين، كنت أتقاضى نحو 10 دولارات مقابل تصميم إعلان، و7 دولارات لتصميم بطاقة زفاف، لكن هذا النوع من العمل تراجع بشكل كبير، ما انعكس مباشرة على عملي.”
العمل عن بُعد… فرصة لا تعالج جذور الأزمة
وفي تقييمها لواقع العمل عبر الإنترنت في لبنان، ترى المحللة الاقتصادية رشا أبو زكي أن هذا القطاع يفتح فرصاً جديدة أمام الشباب، لكنه لا يمثل علاجاً جذرياً لأزمة البطالة.
وتقول أبو زكي لبوابة اللاجئين الفلسطينيين: “لا يمكن اعتبار العمل عبر الإنترنت حلاً جذرياً للأزمة، لأن مشكلة البطالة في لبنان ترتبط أساساً بالأزمة الاقتصادية المستمرة منذ سنوات، والتي انعكست على الاستثمار وفرص العمل في مختلف القطاعات.”
وتضيف أن بيئة العمل في لبنان لا تزال تحد من توسع هذا القطاع، بسبب ضعف خدمات الإنترنت وارتفاع كلفتها، فضلاً عن غياب نظام مصرفي فعال يسهّل تلقي التحويلات المالية من الشركات الأجنبية، الأمر الذي يقلص استفادة العاملين عن بُعد من الفرص الخارجية.
وتؤكد أن هذه التحديات تطال اللبنانيين والفلسطينيين معاً، إلا أن آثارها تكون أشد على اللاجئين الفلسطينيين، بفعل القيود القانونية والتراكمات الاقتصادية والاجتماعية التي يواجهونها.
المهارات الرقمية… بوابة وظائف المستقبل
وتلفت أبو زكي إلى أن سوق العمل العالمي يتجه بسرعة نحو المهن الرقمية مع التوسع في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، معتبرة أن الفرص المستقبلية ستتركز في مجالات مثل هندسة الأوامر (Prompt Engineering) ، وتحليل بيانات الذكاء الاصطناعي، وتطوير روبوتات الدردشة، والتصميم الإبداعي، وإنتاج الفيديو القصير، وتصميم واجهات وتجربة المستخدم (UI/UX)، والتسويق الرقمي، وتحسين محركات البحث (SEO)، وإدارة المتاجر الإلكترونية، وتطوير المواقع والتطبيقات، والأمن السيبراني.
ونصحت أبو زكي الشباب، إلى الاستثمار في تطوير مهاراتهم الرقمية والاستفادة من الدورات التدريبية المتاحة، ولا سيما المجانية منها، لتعزيز فرصهم في سوق العمل العالمي.
ورغم أن العمل عبر الإنترنت بات يفتح نافذة أمام الشباب الفلسطيني لتجاوز جزء من القيود المفروضة على سوق العمل في لبنان، إلا أن تحوله إلى مسار مهني مستدام يبقى مرهوناً بتطوير المهارات الرقمية، وتحسين البنية التحتية للإنترنت، وتوفير بيئة اقتصادية ومصرفية أكثر استقراراً، بما يتيح تحويل هذا الخيار من حل فرضته الأزمات إلى فرصة حقيقية للنمو والاستقرار الاقتصادي.




