الدكتور طلال أبو جاموس… “نورسٌ” لا يغيب في سماء الثقافية الفلسطينية

محمد دهشة
وفاءً لسيرته العطرة ومسيرته الوطنية، نظّمت “سهرة النورس الثقافية” أمسيةً تأبينية للدكتور أبو جاموس، تحت شعار “وترجّل فارس المنابر عن صهوة منبره”، وذلك في “مطعم ليلاس” في مدينة صيدا.
الأمسية التي حملت رسالةً وطنيةً تقديرًا لدور الراحل أبو جاموس الريادي في الدفاع عن القضية الفلسطينية وحقوق أبناء شعبه في المخيمات، شارك فيها ممثلون عن القوى السياسية اللبنانية والفلسطينية الوطنية والإسلامية، ومثقفون وأدباء وشعراء وشخصيات، إضافة إلى عائلة أبو جاموس وأعضاء سهرة النورس”.
كما شارك وفد فلسطيني قادم من أرض الوطن، ضمّ الأمين العام للاتحاد العام للكتّاب والأدباء الفلسطينيين مراد السوداني، وعضو المجلس الوطني الفلسطيني الكاتب شفيق التلولي، والباحث والأكاديمي مفيد عرقوب، والصحافي ناصر الشيوخي يرافقهم عضو قيادة اقليم لبنان لحركة فتح مسؤول الاتحادات الشعبية والنقابية المهندس عبد المنعم عوض.
بدايةً، آياتٌ من الذكر الحكيم رتّلها الشيخ عبد الله العمر، والنشيدان اللبناني والفلسطيني، وعُرض فيديو استعرض محطاتٍ من حياة الراحل أبو جاموس، ومسيرته العلمية والثقافية والإنسانية، ومدى التصاقه بالقضية الفلسطينية والمخيمات، وحرصه على حقوق شعبها.
نوال محمود
وألقت عريفة الحفل الشاعرة نوال محمود كلمةً رحّبت فيها بالحضور، وقالت: لم يخطر ببالي يومًا أن أقف على هذا المنبر، لا لأقدّم الدكتور طلال أبو جاموس كما اعتدنا، بل لأتحدث عنه… رحم الله من كان صوت هذه الأمسيات، وجعلنا اليوم صوتًا للوفاء له”.
وأضافت: “نجتمع هذا المساء لا لنستحضر الغياب، بل لنستحضر أثر إنسانٍ آمن بأن العلم رسالة، وأن الثقافة رسالة، وأن الإنسان يبقى بما يتركه من أثرٍ طيب في القلوب والعقول”.
ظافر الخطيب
وفي كلمةٍ مؤثرة باسم “سهرة النورس الثقافية”، استعاد رئيسها الدكتور ظافر الخطيب مآثر الراحل الدكتور أبو جاموس، مستحضرًا سيرته العطرة وحضوره الذي ترك بصمةً واضحة في المشهد الثقافي الفلسطيني. وأكد أن الراحل لم يكن مجرد مشاركٍ في أمسيات السهرة، بل كان روحًا نابضةً بالعطاء، ووجهًا مشرقًا من وجوه الأسرة الثقافية، أسهم بحضوره وفكره وحرصه الدائم في إنجاح فعالياتها وإغناء مسيرتها.
وأشار الخطيب إلى أن الدكتور أبو جاموس كان أحد الأصوات الثقافية الفلسطينية التي حملت همَّ الهوية الوطنية، وجعلت من الكلمة جسرًا لحفظ الذاكرة وتعزيز الانتماء، قائلًا:
“باسم أعضاء “سهرة النورس الثقافية”، نعاهد أنفسنا على أن تبقى ذكرى الدكتور أبو جاموس حاضرةً بيننا، وأن يظل إرثه الثقافي ومساره المعرفي منارةً نهتدي بها. فما تركه الراحل لن يكون صفحةً تُطوى من الماضي، بل سيبقى أثرًا ممتدًا في الحاضر، وطريقًا مفتوحًا نحو المستقبل، يحمل قيم العطاء والوفاء والانتماء”.
صلاح صلاح
وتحدث الكاتب والمناضل الفلسطيني الكبير الأستاذ صلاح صلاح عن سيرة الدكتور أبو جاموس، مستعيدًا ملامح شخصيةٍ استثنائية جمعت بين عمق الفكر الوطني ونبل الالتزام الإنساني، وبين العلم والموقف، فكان رجلًا من طينةٍ نادرة، حمل في مسيرته رسالة الطبيب والمثقف والمناضل في آنٍ واحد.
وأشار إلى أن الدكتور أبو جاموس لم يكن مجرد طبيبٍ أو صاحب حضورٍ ثقافي، بل كان ضميرًا حيًّا لقضية فلسطين، عاش حياته منحازًا إلى الإنسان، مدافعًا عن حقه في الكرامة والحرية، ومكرسًا علمه وجهده لخدمة الناس. فقد جسّد في مسيرته معنى التواضع والصدق، وأثبت أن العمل الوطني لا يُقاس بالمواقع أو الألقاب، بل بما يقدمه الإنسان من عطاء صادق، وبما يتركه من أثر في ساحات الحياة وبين أبناء شعبه.
وعبّر صلاح عن حزنه العميق لفقدان الدكتور أبو جاموس، الصديق ورفيق الدرب والنضال، مؤكدًا أن الرحيل لا يعني الغياب، فالأرواح التي تعيش من أجل الآخرين تبقى حاضرة في الذاكرة والوجدان. وسيظل أثره حاضرًا في كل من عرفه، وفي كل فكرةٍ آمن بها، وفي كل موقفٍ شجاعٍ اتخذه دفاعًا عن الإنسان والوطن.
مراد السوداني
ثم ألقى الأمين العام لاتحاد الكتّاب والأدباء الفلسطينيين الأستاذ مراد السوداني كلمةً استحضر فيها مناقب الدكتور أبو جاموس ودوره الثقافي والوطني، مؤكدًا أنه كان، إلى جانب نخبة من الكتّاب والأدباء والمثقفين، سدًّا منيعًا في مواجهة محاولات طمس الرواية الفلسطينية واستهداف الهوية الوطنية. فقد جعل من الكلمة فعل مقاومة، ومن الحرف مساحةً لحفظ الذاكرة، فبقي صوته ممتدًا بين الأرض والسماء، عصيًا على محاولات التهويد والاقتلاع، ومتمسكًا بفلسطين كاملةً بجغرافيتها وتاريخها وحقها في الوجود.
وقال السوداني: نقف اليوم وقفة وفاء أمام فارس المنابر والكلمات، وطبيب الفقراء الذي انحاز إلى شعبه وقضيته، وجعل من علمه وثقافته طريقًا لخدمة الإنسان والوطن. إن الوفاء لمن يستحق الوفاء، ونحن نرفع له راية المحبة والتقدير، بعدما أصبح نورسًا يحلّق في فضاء الذاكرة، يحوّل الغياب إلى حضور، والفقد إلى استمرار.
وأكد أن رحيل الكتّاب والأدباء لا يشبه الرحيل، لأن الكلمة الصادقة لا تموت، وأصحاب الرسالة لا يغادرون القلوب. إنهم يبقون ثابتين كجذور الزيتون في تراب البلاد، حراسًا للهوية والذاكرة، محمولين على أجنحة المحبة والخير ونفع الناس. ومن هنا استحق الدكتور أبو جاموس هذا الوفاء، لأنه كان جسرًا من جسور التواصل بين المثقفين في الوطن والشتات والمنافي، وحلقة وصل تحفظ وحدة الحكاية الفلسطينية وتصون الحلم من الضياع.
رابطة أطباء الأسنان
وتحدث ممثل رابطة أطباء الأسنان الفلسطينيين في لبنان الدكتور إياد حسون، مستعيدًا مسيرة الدكتور أبو جاموس داخل الرابطة، مؤكدًا أنه لم يكن مجرد عضوٍ فيها أو نائبًا للرئيس لسنوات طويلة، بل كان أحد أعمدتها الراسخة، وصمام أمانها في مختلف المحطات. فقد حمل مسؤولياته بإخلاصٍ وانتماء، وكان حريصًا على وحدتها، مؤمنًا برسالتها، وساعيًا باستمرار إلى تطوير أدائها والحفاظ على المكتسبات التي راكمتها عبر مسيرتها الطويلة.
وأشار إلى أن الدكتور أبو جاموس كان محل ثقة الجميع ومحبتهم واحترامهم، لما امتلكه من حكمةٍ وحرصٍ على خدمة زملائه ومجتمعه، فبقي حضوره شاهدًا على رجلٍ جعل من العمل النقابي والمهني مساحةً للعطاء والمسؤولية.
رابطة عمقة
كما ألقى الأستاذ محمد عبد الرازق أبو رشدي كلمة رابطة عمقة، استحضر فيها الجانب الإنساني والاجتماعي في شخصية الراحل، مؤكدًا أن رحيل الدكتور أبو جاموس كشف حجم الفراغ الكبير الذي تركه في ميادين العمل الاجتماعي والخيري. فقد كان، رحمه الله، سبّاقًا إلى تلبية نداء المحتاجين، يمد يد العون لكل من قصد بابه، محبًا لفعل الخير بطبيعته، يسعى في قضاء حاجات الضعفاء بصمت الكبار ونبل الفرسان.
وأضاف أن الراحل لم يكن يبحث عن إشادة أو ثناء، بل كان يبتغي الأثر الطيب الذي يبقى بعد الإنسان، واليوم يظهر هذا الأثر في هذا الحشد الكريم، وفي هذه السيرة العطرة التي يتناقلها الجميع بمحبة وفخر، شاهدةً على إنسانٍ ترك خلفه رصيدًا من الخير لا يُنسى.
عائلة أبو جاموس
وألقى نجل الفقيد الأستاذ أحمد طلال أبو جاموس كلمة باسم العائلة، توجه فيها بالشكر والتقدير لكل من نظم وشارك وأسهم في هذا اللقاء الوفائي، مؤكدًا أن والده الراحل كان عاشقًا لوطنه، مخلصًا لانتمائه، مؤمنًا بقيم الخير والعطاء، كما كان محبًا للأدب والشعر، يرى فيهما رسالةً إنسانية ترتقي بالروح وتغذي الفكر والوجدان.
وقال إن أعظم ما يتركه الإنسان بعد رحيله هو سيرته بين الناس، وإن والده، بحمد الله، ترك سيرةً طيبة ومحبةً صادقة في قلوب كل من عرفه، سائلًا الله أن يجعل هذا الأثر الطيب في ميزان حسناته.
أصدقاء الراحل
بدوره، ألقى الأستاذ بسام البني كلمة باسم أصدقاء الراحل، استعاد فيها سيرة الدكتور أبو جاموس ومكانته الرفيعة، مؤكدًا أن الحديث عن قامته لا يحتاج إلى مبالغة، فالمواقف وحدها تشهد له، كما تشهد له مسيرته الثقافية والنضالية والعلمية والإنسانية التي كانت مصدر فخر واعتزاز لكل من سار معه في درب الحياة.
وأكد أن الدكتور أبو جاموس، وإن غاب جسدًا، سيبقى حاضرًا بفكره ومدرسته الثقافية والنضالية، وبالأثر العميق الذي تركه في قلوب محبيه وفي ذاكرة كل من عرف عطاؤه ونهل من تجربته. فالأشخاص الذين يصنعون الخير والمعرفة لا يغيبون، بل يتحولون إلى حضور دائم في وجدان الناس.
درع تكريمي
وفي ختام الاحتفالية، قدّم الأستاذ مراد السوداني والدكتور ظافر الخطيب، باسم “سهرة النورس الثقافية”، درعًا تكريميًا وفاءً وتقديرًا لمسيرة الراحل الدكتور أبو جاموس، تسلمه نجله الأستاذ أحمد طلال أبو جاموس، في مشهدٍ جسّد مشاعر المحبة والامتنان.
وتخللت اللقاء قصائد شعرية شارك فيها الشعراء زياد كعوش وعمر زيداني ونوال محمود، لاقت تقدير الحضور وإعجاب المشاركين، وأكدت مجددًا دور الثقافة والأدب في صون الذاكرة الفلسطينية وحفظ الهوية الوطنية.
واختُتمت الاحتفالية ببوفيه مفتوح عن روح الراحل الدكتور أبو جاموس، تقدمةً من “مطبخ زوادتنا”، ليبقى اللقاء مساحةً للوفاء واستعادة سيرة رجلٍ ترك أثره في الثقافة والوطن والمجتمع، وبقي حاضرًا في قلوب من عرفوه.












































































