رسالة من السفير نظمي حزوري إلى سهرة النورس الثقافية في أمسية الوفاء للشهيد الدكتور طلال أبو جاموس

وجه السفير الفلسطيني نظمي حزوري رسالة إلى القائمين على سهرة النورس الثقافية، وإلى جميع المشاركين في أمسية الوفاء التي خُصصت لتخليد ذكرى الشهيد الدكتور طلال أبو جاموس (نورس)، أتوجه إليكم بأصدق مشاعر التقدير والاعتزاز بهذه المبادرة النبيلة التي تجسد أسمى معاني الوفاء لمن وهب حياته لقضية شعبه، وجعل من العلم والثقافة والنضال والإنسانية رسالةً ومسارًا.
رحم الله الأخ العزيز الشهيد الدكتور طلال أبو جاموس، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ذكراه باقية في وجدان أبناء شعبه، فخير ما يُقدَّم للراحلين هو الوفاء الصادق الذي يحفظ سيرتهم، ويصون إرثهم، ويورث الأجيال قيمهم ومواقفهم.
لقد كان الدكتور طلال أبو جاموس واحدًا من الشخصيات الوطنية التي تركت أثرًا عميقًا في مخيم عين الحلوة، فجمع بين الطبيب والإنسان والمناضل والمثقف. عاش قريبًا من الناس، يشاركهم همومهم، ويخفف عنهم آلامهم، حتى استحق بجدارة لقب “طبيب الفقراء”، وهو لقب لم ينله بمنصب أو جاه، وإنما بمحبة الناس وإيمانه العميق بأن خدمة أبناء شعبه واجب ورسالة.
كان حضوره في أزقة المخيم وبين بيوت أهله أكبر من حضور الطبيب في عيادته، فقد ظل ملتصقًا بقضايا الناس، مدافعًا عن حقوقهم الإنسانية والاجتماعية، وحريصًا على أمن المخيم ووحدته، ومبادرًا دائمًا إلى رأب الصدع وجمع الكلمة، مؤمنًا بأن قوة شعبنا تكمن في وحدته وتماسكه.
ورغم سنوات الغربة التي أبعدتني عن المخيم وأصدقائه، فقد تابعت بإعجاب ما تركه الدكتور طلال من بصمة واضحة في المشهد الثقافي الفلسطيني، إذ كان داعمًا للمثقفين والإعلاميين، وحاضنًا للمبادرات الثقافية، وساعيًا إلى بناء إطار جامع يلتقي فيه أصحاب الفكر والإبداع، إيمانًا منه بأن الثقافة ليست ترفًا، بل ركيزة من ركائز النضال الوطني وحفظ الهوية الفلسطينية.
لقد حلق “النورس” في سماء الثقافة الفلسطينية، يحمل أحلام أطفال المخيم، ويرسخ دور المثقف بوصفه حارسًا للذاكرة الوطنية، ومدافعًا عن الرواية الفلسطينية، وحاملًا لهموم القضية بسلاح الكلمة والعلم والمعرفة. وكانت قيم الإيثار والانتماء والالتزام الوطني حاضرة في كل ما قدمه من عمل وفكر وموقف.
ولم تكن مكانته بين الناس وليدة موقع أو صفة، بل صنعتها أخلاقه الرفيعة، وتواضعه، وقربه من الجميع، فكان من أوائل المبادرين إلى العطاء والاحتضان، حاضرًا في الأفراح كما في المحن، يحمل همّ الفقراء، ويقف إلى جانب المحتاجين، ويجسد المعنى الحقيقي للإنسان الذي يعيش لقيمه ومبادئه.
كم كنت أتمنى أن أكون بينكم في هذه الأمسية، وأن ألتقي بالأحبة والرفاق، وأن نستمع إلى الدكتور طلال وهو يحدثنا عن فلسطين، وعن المخيم، وعن الإنسان الذي آمن به ودافع عنه. لكن إرادة الله شاءت أن ينتقل إلى جوار ربه، ويبقى حضوره في القلوب والضمائر، حاضرًا وإن غاب الجسد.
إن هذه الأمسية لم تكن مناسبة لاستذكار رجل رحل فحسب، بل كانت شهادة وفاء لإنسان بقي حيًا في ذاكرة محبيه. لقد حضر الدكتور طلال أبو جاموس بروحه، وبسيرته، وبما زرعه في نفوس الناس من محبة واحترام، وكأن صوته لا يزال يملأ المكان، وابتسامته تستقبل الجميع كما اعتادوا دائمًا.
ولولا ظروفي الصحية لكنت أول الحاضرين لأشارككم هذا الوفاء المستحق، ولأقف بين إخوته ورفاقه وأصدقائه، معتزًا بقامة وطنية وإنسانية من أبناء مخيم عين الحلوة، لم يتعب قلبها من حمل هموم الفقراء، ولم تنحرف بوصلتها يومًا عن فلسطين، التي نذر لها حياته مناضلًا في صفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، مؤمنًا بأن الحرية والعدالة والوحدة الوطنية هي الطريق إلى مستقبل شعبنا.
لقد ظل الشهيد الدكتور طلال أبو جاموس متمسكًا بإيمانه العميق بالوحدة الوطنية الفلسطينية، ورأى فيها الضمانة الحقيقية لحماية المشروع الوطني وصون تضحيات الشهداء والأسرى واللاجئين، فكان صوته دائمًا داعيًا إلى التلاقي والحوار والعمل المشترك.
رحم الله الشهيد الدكتور طلال أبو جاموس، وستظل ذكراه عطرة في وجدان أبناء شعبنا، وسيبقى إرثه الإنساني والوطني والثقافي منارة تهتدي بها الأجيال الفلسطينية القادمة، وسيظل “النورس” محلقًا في سماء الثقافة الفلسطينية، حاضرًا في الذاكرة والوعي والمسيرة الوطنية، ما بقيت فلسطين تسكن القلوب.
أخوكم
السفير نظمي حزوري




