المفتي سوسان في رسالة رمضان المبارك: شهر التكافل الاجتماعي

وجه مفتي صيدا وأقضيتها الشيخ سليم سوسان رسالة لمناسبة شهر رمضان المبارك دعا فيها إلى التكافل والتكامل الاجتماعي والإنساني كما دعا الجمعيات والمؤسسات الإنسانية والاجتماعية أن تمد يد العون والمساعدة لكل محتاجٍ ومسكينٍ وفقير.
وحيا المفتي سوسان الشهداء في فلسطين ولبنان، قائلا “ندعو لكل الجرحى بالشفاء، ونسأل الله أن تتحقق السيادة والحرية والكرامة للوطن ولكل اللبنانيين من دون تمييزٍ أو تفريق، في وحدةٍ جامعة، عزيزةٍ كريمةٍ، وعهدٍ جديدٍ مأمولٍ بالحقّ والعدل والعزّة والكرامة، لكل حبّةٍ من ترابه المجبولةِ بدماء الشهداء.
وجاء في الرسالة الرمضانية كنّا وما زلنا نحرص على التكافل والتكامل الاجتماعي والإنساني… هذا رمضان يطلب من الغني أن ينظر إلى الفقير فيعطيه بلا منّة، والكبير يعطف على الصغير فيساعده من غير رياءٍ أو تشهير… رمضان لا يريد أن يرى أرملةً أو يتيماً أو مسكيناً يتسوّل أو يجوع… رمضان يقول: “أفطِرْ صائماً، أطعمْ جائعاً، اكْسُ يتيماً، واحفظْ كرامةَ أرملةٍ في بيتها”… ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء”.
إننا نتوجه إلى كل الجمعيات والمؤسسات الإنسانية والاجتماعية أن تمد يد العون والمساعدة لكل محتاجٍ ومسكينٍ وفقير، فالعمل الخيري من ركائز المجتمع، وهو ما يمليه علينا ديننا وتربيتنا في صيدا، حيث نحمل الخير للجميع، فخير الناس أنفعهم للناس. ورسولنا ﷺ يقول: “ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به”.
وقال المفتي سوسان “الحمد لله على نعمة الصيام والقيام، الحمد لله الذي جعل شهر رمضان سيد الشهور، وضاعف فيه الحسنات والأجور، وشرّف هذه الأمة وخصّها بصيامه، فمن صامه وقامه إيمانًا واحتسابًا غُفرت ذنوبه العظام.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، أجوَدِ الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان، خيرُ من صلّى وصام، القائل: “من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه“. صلى الله عليه وعلى آله الأطهار وصحبه الأخيار، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
شهر البركات والرحمات
أيها الإخوة والأبناء، أقبل علينا شهر مبارك كريم، شهر البركات والرحمات، شهر الطاعة والقُربى، شهر البر والإحسان والمغفرة والرضوان، شهر تُجاب فيه الدعوات، وتُرفع فيه الدرجات، وتُغفر فيه السيئات، ويعتق الله فيه عباده من النيران.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا دخل رمضان فُتّحت أبواب الجنة، وغُلّقت أبواب جهنم، وسُلْسِلت الشياطين“ [متفق عليه]. وقال صلى الله عليه وسلم: “إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صُفّدت الشياطين ومَرَدة الجن، وغُلّقت أبواب النار فلم يُفتح منها باب، وفُتحت أبواب الجنة فلم يُغلق منها باب، وينادي منادٍ: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة“.
رمضان مدرسة للطاعات
في رمضان يقبل الناس على الطاعات ويبتعدون عن المعاصي والشهوات، مما يدل على فضل هذا الشهر العظيم، حيث يوفق الله العباد فيه للأعمال الصالحة، التي تُفتح لها أبواب الجنة. كما أنه شهرٌ تُحث فيه النفوس على التوسع في الخير من صلاة وصدقات، وتسبيح وتهليل، واغتنام لكل لحظة فيه من جود الله وكرمه وسعة إحسانه.
الصيامُ يُصلِح النفوس، ويدفع إلى اكتساب المحامد والبُعد عن المفاسد، به تُغفر الذنوب، وتُكفَّر السيئات، وتزدادُ الحسنات. يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: “من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه“ [متفق عليه]. وهو سببٌ لتكفير الذنوب والسيئات إلا الكبائر، لقوله صلى الله عليه وسلم: “الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفّرات لما بينهن ما اجتُنبت الكبائر“ [رواه مسلم].
شهر الدعاء المستجاب
أيها الإخوة والأبناء، رمضان شهر الدعوات المستجابات، فيه يُسمع النداء، ويُستجاب الدعاء، ويُحقق الرجاء. فقد سأل الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أقريبٌ ربنا فنناجيه، أم بعيدٌ فنناديه؟”، فأنزل الله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186].
وقد وردت هذه الآية في سياق آيات الصيام، للدلالة على العلاقة الوطيدة بين رمضان والدعاء. ولقد حثّنا النبي صلى الله عليه وسلم على كثرة الدعاء حال صيامنا وعند فطرنا، وأخبر أن دعوة الصائم مستجابة، حيث قال: “ثلاثة لا تُرد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم، يرفعها الله دون الغمام يوم القيامة، وتُفتح لها أبواب السماء، ويقول الله: بعزتي لأنصرنّك ولو بعد حين“.
رمضان شهر العطاء والصدقات
رمضان شهر الصيام والعطاء والزكاة والصدقات، والجمع بين عبادة الصيام والصدقة من موجبات الجنة. فمن أعان الصائمين والقائمين والذاكرين الله كثيرًا من المتعففين، كان له مثل أجرهم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من فطّر صائمًا كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء“ [رواه الترمذي].
الصدقة وإخراج الزكاة في رمضان لهما منزلة خاصة عند المسلمين، فقد اعتاد الكثيرون إخراج زكاة أموالهم وصدقاتهم الواجبة في هذا الشهر، طمعًا في مضاعفة الأجر والثواب، حيث إن الله تعالى جعل رمضان شهرًا لإفاضة رحمته على عباده أضعافًا مضاعفة.
وقد أكد العلماء أن الصدقة في رمضان أعظم أجرًا من غيره، لا سيما إذا خُصّ بها المتعففون من أهلنا وأقاربنا، الذين قد يغفل الناس عن حاجتهم. فالإخلاص في العطاء من غير استعلاء ولا منّة هو ما يجعل الإنسان يفوز بالأجر العظيم، ويتجنب ما قد يحبط عمله من رياء أو أذى.
رمضان شهر القرآن
أيها الإخوة والأبناء، في شهر رمضان يُقبل كثيرٌ من الناس على كتاب الله تعالى قراءةً وحفظًا وتفسيرًا وتدبرًا، فهو كلام الله المقدّس، فيه أحكامه وأوامره ونواهيه، ومواعظه، وغير ذلك من المعاني النفيسة التي تُستخرج بالتدبر والتعقل.
ورمضان موسم للخيرات، تتنوع فيه الطاعات، وينشط فيه العباد بالصيام والقيام وتلاوة القرآن، فقد أمر الله تعالى بتلاوته وتدبره وجعله مباركًا، حيث قال: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} [ص: 29].
نسأل الله أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وأن يجعل هذا الشهر شهر خير وبركة على أمتنا الإسلامية، وأن يمنّ علينا جميعًا بالرحمة والمغفرة والعتق من النار.
اللهم يا حنّانُ يا منّان، يا قديمَ الإحسان، يا رحمنَ الدنيا والآخرة ورحيمَهما، يا غياثَ المستغيثين، اجعل القرآنَ ربيعَ قلوبِنا، ونورَ صدورِنا، وجلاءَ أحزانِنا وهمومِنا. واحفظْ علينا الأمنَ والأمان، وأكرِمْنا في شهر رمضان، وجنّبْنا الغفلةَ والعصيان، وأحيِ قلوبَنا بطاعتِك وهدايتِك، وهذّبْ نفوسَنا بالصيام والقيام وتلاوةِ القرآن.
اللهم أعنّا على أداء الفرائضِ والواجبات، وإخراجِ ما علينا من حقوقٍ وزكاة، وانصرْنا وانصرْ أمتَنا على الأعداء، يا نعمَ المولى ويا نعمَ النصير.