صلاح بسيوني: العروبة… انتماء حضاري وحاجة استراتيجية

بقلم صلاح بسيوني
12/11/2025
في زمنٍ تتبدّل فيه موازين القوى الإقليمية والعالمية بسرعة، تتكاثر الأصوات التي تشكّك في جدوى العروبة، وتدعو إلى هويّات قطرية ضيّقة، أو إلى العودة إلى «أصول» ما قبل التاريخ العربي. وقد انتشر مؤخرًا على وسائل التواصل شابٌّ يصف نفسه بـ«فرعون الجيزة»، يدعو الدولة المصرية إلى «التخلّي عن بدعة العروبة»، مدعومًا بتعليقات تُظهر جهلًا بالتاريخ أو حقدًا على فكرة الانتماء العربي. (استفزّني منشوره) لأقول:
مثلُ هذا النقاش ليس بريئًا ولا عفويًا، بل هو امتداد لسياساتٍ مدروسة تستهدف تقويض الرابط الذي يجمع شعوب هذه المنطقة، وتحويله إلى فسيفساء من الهويّات المتناحرة.
العروبة ليست نقاءً عرقيًا بل هوية حضارية حيّة
العروبة ليست أسطورة أو وهمًا عن نقاء الدم والعرق، بل هي انتماء حضاري يقوم على عناصر متكاملة: اللغة العربية، التاريخ المشترك، العادات والتقاليد، والتأثّر العميق بمحيط البحر المتوسّط وبالعالم الإسلامي الواسع.
هذا الإرث الثقافي والاجتماعي جعل مصائر شعوب المنطقة مترابطة: الخطر واحد، والهمّ واحد، والمصلحة واحدة.
من يُنكر هذه الحقيقة يتجاهل الوقائع الجغرافية والتاريخية التي صاغت هوية مشتركة تمتدّ من الخليج إلى المحيط.
إنّ إنكار العروبة أو التشكيك بها ليس مسألة فكرية بريئة؛ إنّه فعل سياسي خطير يخدم مشاريع الهيمنة والتفتيت. فمنذ قرنٍ من الزمان، رسم الاستعمار خرائطنا وحدّد مصائرنا، وقسّم الأمة الواحدة إلى دولٍ متنازعة يسهل التحكّم بها. واليوم، تتجدّد المحاولات باسم «الهوية القُطرية» أو «الخصوصية التاريخية»، لتفصلنا عن بعضنا وتُعيد إنتاج ضعفنا.
في المقابل، المطلوب هو وعيٌ استراتيجي يدرك أنّ مستقبل كلّ قطرٍ عربيٍّ مرهونٌ بمستقبل الأمة ككلّ. لا يمكن لمصر أن تزدهر بمعزل عن المشرق والمغرب، ولا يمكن لبلاد الشام أو الخليج أن تنجو من العواصف دون عمقٍ عربيٍّ جامع.
في عالمٍ يُعاد فيه رسم خرائط النفوذ، وتتشكل قوى دولية جديدة، نحن أمام لحظةٍ فارقة. إسرائيل تعلن بوضوح مشروعها للهيمنة الإقليمية، والغرب يواصل توظيف الأزمات لإبقاء المنطقة في حالة فوضى دائمة.
في المقابل، تتراجع النخب العربية إلى نقاش الهوية لا الوجود: «هل نحن عربٌ أم فراعنة؟ هل نحن كنعانيون أم فينيقيون…؟» — بينما تتجاهل قضايا الثقافة، والأمن القومي، والعتق من الاستعمار وأدواته، والنهضة الاقتصادية.
إنّ الإفراط في السؤال عن الهوية علامة على أمةٍ مأزومة لا تثق بنفسها، فالأمم الواثقة لا تضيّع وقتها في تعريف ذاتها، بل في بناء مستقبلها.
العروبة اليوم ليست شعارًا سياسيًا جامدًا، بل دعوة إلى تكاملٍ عمليٍّ واقتصاديٍّ وثقافيٍّ.
هي التي دمجت في الماضي المسلمين والمسيحيين، والمشارقة والمغاربة، في نسيجٍ فكريٍّ واحد، ويمكنها أن تُشكّل اليوم أساسًا لمشروعٍ نهضويٍّ حديث، يقوم على المصلحة المشتركة لا على العاطفة.
إنّ الالتزام بالعروبة هو التزامٌ بالقوّة والتضامن، لا رفضٌ للتنوّع، وهو الطريق الواقعي لتجاوز التبعية، وبناء مستقبلٍ يليق بتاريخ هذه المنطقة الغنيّ.
العدل لا يموت… والمصير واحد
التاريخ لا يرحم، والناس لا تنسى، والعدالة قد تتأخر لكنها لا تموت. المستعمر والظالم يزول، ومعه من وقف إلى جانبه، أمّا الأمم التي تعرف من هي، وتعتزّ بإرثها، وتنهض بوحدتها، فهي التي تبقى.
فلنكن مع الحق، ومع الوعي، ومع العروبة — لا كحنينٍ إلى الماضي، بل كقوّةٍ للمستقبل.




