الدكتور طلال أبو جاموس: فارس المنابر ترجل… والحلم العودة باق على بوابة عمقا
محمد دهشة
ثمة رجال لا يرحلون حين تغيب أجسادهم، بل يبدأ حضورهم الحقيقي في الذاكرة الوطنية. والدكتور طلال أبو جاموس كان واحدًا من أولئك الذين عاشوا لفلسطين حتى آخر نبضة، وحين أغمض عينيه، ترك خلفه سيرة من النضال والكلمة والموقف، رحل وفي قلبه حلمٌ مؤجل بأن يعانق بلدته عمقا، ويطأ تراب الأرض التي هُجِّر منها آباؤه وأجداده، لتبقى فلسطين الوعد الذي لم ينكسر، والحنين الذي لم يخفت، والعودة التي لم تغادر وجدانه.
ووفاء لسيرته العطرة ومسيرته الوطنية، تقيم سهرة النورس الثقافية أمسيةً تأبينية للدكتور أبو جاموس، تحت شعار “وترجل فارس المنابر عن صهوة منبره”، تؤكد فيها على دوره الريادي في الدفاع عن القضية الفلسطينية وحقوق أبناء شعبه في المخيمات، حيث كان صوتًا وحدويًا صادقًا، يعتلي المنابر السياسية والثقافية لا باحثًا عن مجدٍ شخصي، بل حاملًا هموم اللاجئين، ومدافعًا عن وحدة الصف الوطني، ومؤمنًا بأن الكلمة الحرة لا تقل شأنًا عن البندقية حين تكون في خدمة الوطن.
برحيله في التاسع من حزيران 2026، عن تسعةٍ وستين عامًا، بعد صراع مع المرض، خسر مخيم عين الحلوة أحد أبرز وجوهه الوطنية والثقافية، وخسرت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين مناضلًا ظل وفيًا لنهجها منذ التحاقه بصفوفها عام 1973، فيما خسرت فلسطين واحدًا من أبنائها الذين حملوا قضيتها في الفكر والموقف والنضال، ولم تغب عن ضميرهم لحظة واحدة.
وُلد الدكتور أبو جاموس عام 1957، وينحدر من بلدة عمقا المهجرة في قضاء عكا، تلك البلدة التي بقيت عنوانًا لهويته الأولى، وحاضرةً في وجدانه رغم عقود اللجوء. ففي مخيم عين الحلوة عاش عمره كله، لكن قلبه ظل يسكن فلسطين، وكانت عمقا بالنسبة إليه أكثر من قرية؛ كانت الذاكرة الأولى، والبيت الذي ينتظر أصحابه، والحلم الذي أجّلته المنافي ولم تطفئه السنون.
على امتداد عقود طويلة، جسّد الدكتور أبو جاموس صورة المناضل الملتزم الذي جمع بين الفكر والميدان. شارك في مختلف ميادين العمل الوطني، ودافع عن الثورة الفلسطينية، وعن حق اللاجئين في العودة، وعن الحرية والاستقلال، مؤمنًا بأن المخيم ليس محطة استقرار، بل شاهد حي على جريمة النكبة التي ارتكبها العدو الاسرائيلي، وبقي عنوانا دائما لحق العودة.
ولم يكن نضاله سياسيًا فحسب، بل اتخذ من العلم رسالةً إنسانية. درس طب الأسنان في بلغاريا، وعاد ليضع علمه في خدمة أبناء شعبه، فكان الطبيب الذي يخفف الألم، والإنسان الذي يواسي المحتاج، والمناضل الذي يرى في خدمة الناس شكلًا من أشكال المقاومة. ومن خلال عضويته في المجلس الاستشاري لرابطة أطباء الأسنان الفلسطينيين في لبنان، أسهم في تعزيز العمل المهني والنقابي، وظل حاضرًا في المبادرات الاجتماعية والإنسانية التي استهدفت التخفيف من معاناة أبناء المخيمات.
كما واصل مسؤولياته التنظيمية حتى أيامه الأخيرة عضوًا في لجنة الرقابة الحزبية للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في لبنان، متمسكًا بالقيم الثورية والتنظيمية التي آمن بها، ومدافعًا عنها بإخلاص ونزاهة، ليبقى مثالًا للمناضل الذي لم تغيره المواقع، ولم تبدله السنوات.
وكان، إلى جانب ذلك، مثقفًا وطنيًا واسع الأفق، عاشقًا للأدب والشعر والفكر القومي، مؤمنًا بأن الثقافة ليست ترفًا، بل جبهة من جبهات المقاومة. كتب القصيدة كما حمل الموقف، وشارك في الندوات والأمسيات الثقافية، وأسهم في ترسيخ الوعي الوطني بين أبناء شعبه، حتى غدا حضوره على المنابر جزءًا من ذاكرة المخيم الثقافية وعضوا فاعلا في سهرة النوس الثقافية، وصار صوته مألوفًا في كل مناسبة تدعو إلى الوحدة والكرامة والتمسك بالحقوق الوطنية.
عرفه الناس بصدق علاقاته، وتواضعه، وقربه من الجميع. كان يحمل هموم المخيم كما يحمل هموم بيته، ويشارك الناس أفراحهم وأوجاعهم، فاستحق احترام رفاقه ومحبة أبناء شعبه وكل من عرفه، لأن الوطنية عنده لم تكن شعارًا يُرفع، بل سلوكًا يُمارس، وأخلاقًا تُترجم في تفاصيل الحياة اليومية.
لقد رحل الدكتور طلال أبو جاموس قبل أن يعانق عمقا، لكن عمقا لم تغادره يومًا. رحل قبل أن يلامس تراب فلسطين، غير أن فلسطين ظلت تسكن قلبه حتى اللحظة الأخيرة. مات الجسد، وبقيت الحكاية؛ حكاية لاجئٍ لم يتصالح مع المنفى، ومناضلٍ لم يساوم على حق العودة، ومثقفٍ آمن بأن الكلمة الصادقة تستطيع أن تحفظ الذاكرة من النسيان.
سلامٌ على روحك يا ابن عمقا، ويا ابن عين الحلوة، ويا فارس المنابر الذي ظل صوته مرتفعًا دفاعًا عن فلسطين واللاجئين والمخيمات. رحلت، لكن حلمك لم يرحل، وسيبقى معلقًا على بوابات عمقا، وعلى مفاتيح البيوت القديمة، وفي ذاكرة كل فلسطيني يؤمن بأن المنافي مهما طالت لا تلغي حقًا، ولا تطفئ وطنًا، ولا تمنع يومًا سيعود فيه أصحاب الأرض إلى أرضهم، رافعين راية الحرية فوق تراب فلسطين.





