هل بدأت الحرب فعلاً… أم أن مفاجآت المحور لم تظهر بعد؟

بقلم: آية يوسف المسلماني

في الحروب الكبرى لا يُقاس ميزان القوة فقط بما يظهر على السطح من ضربات متبادلة، بل بما يُخفى في طبقات التخطيط العميق. ومن يراقب المشهد الإقليمي منذ السابع من تشرين الأول يلاحظ أن إسرائيل تبدو اليوم كأخطبوط يمد أذرعه في أكثر من اتجاه، يخوض معارك متزامنة على جبهات متعددة، من غزة إلى لبنان، ومن البحر الأحمر إلى الساحة الإيرانية.
غير أن السؤال الأهم ليس أين تقاتل إسرائيل اليوم، بل أين قد تُستنزف غداً.

فالواقع أن ما يُعرف بمحور المقاومة، أو ما تبقّى منه بعد سنوات طويلة من الحروب والعقوبات والاغتيالات، لم يدخل بعد في كامل ثقله العسكري والسياسي.

وما يجري حتى الآن قد يكون مجرد مرحلة تمهيدية في صراع يتجاوز حدود المعارك الحالية.
تاريخ المواجهة بين إيران وخصومها في المنطقة يبيّن أن طهران لم تعتمد يوماً على ضربة واحدة حاسمة، بل على سلسلة متدرجة من الرسائل العسكرية والسياسية. فمنذ الحرب الإيرانية العراقية، مروراً بمراحل التوتر مع الولايات المتحدة، وصولاً إلى السنوات الأخيرة، اعتمدت إيران سياسة الردود المتدرجة التي تجمع بين الضربات المباشرة والضغط غير المباشر عبر حلفائها في الإقليم.

وفي هذا السياق برزت خلال السنوات الماضية ضربات طالت مصالح أميركية في المنطقة، وصولاً إلى استهداف قواعد عسكرية أميركية في أكثر من محطة، في رسالة مفادها أن الصراع لم يعد محصوراً في ساحة واحدة.

وفي الوقت نفسه لم تكن دول الخليج بعيدة عن هذا التوتر، إذ شكّلت بعض الهجمات التي طالت منشآت أو مصالح حيوية فيها إشارات إلى أن جغرافيا المواجهة قابلة للتوسع كلما اشتد الضغط على إيران.

لكن النقطة الأكثر حساسية في أي مواجهة شاملة تبقى الساحة الإسرائيلية نفسها. فإسرائيل بنت خلال العقود الماضية منظومة دفاعية معقدة، يتصدرها نظام القبة الحديدية، الذي أثبت فعاليته في اعتراض نسبة كبيرة من الصواريخ قصيرة المدى. غير أن الخبراء العسكريين يشيرون دائماً إلى أن هذه المنظومة، مهما بلغت قدرتها التقنية، تعتمد في النهاية على عامل الاستنزاف.

ففي حال تعرّضت إسرائيل لوابل كثيف ومتواصل من الصواريخ، فإن الضغط على هذه المنظومة قد يتضاعف، ما يفتح المجال نظرياً لوصول صواريخ أثقل وأكثر تدميراً إلى أهدافها.

وهنا تحديداً تبرز إحدى الفرضيات التي يتداولها بعض المحللين، أن دور بعض قوى المحور قد يتمثل في إنهاك منظومات الدفاع الإسرائيلية عبر كثافة النيران، بما يتيح لاحقاً لأسلحة أكثر تطوراً أن تخترق الدفاعات.

تجربة الإسناد التي رافقت حرب غزة لم تُحدث التحول الاستراتيجي الذي توقعه البعض، لكنها في المقابل كشفت حدود المعادلة الحالية.

فالحزب في لبنان رغم الضربات الإسرائيلية المتكررة والانتهاكات المتواصلة للأراضي اللبنانية، لم يدخل حتى الآن في مواجهة شاملة، ما يدفع بعض المراقبين إلى الاعتقاد بأن جزءاً من أوراق القوة لا يزال محفوظاً لمرحلة مختلفة من الصراع.

وفي المقابل تتزايد المؤشرات في الغرب إلى أن الحرب قد تتسع أكثر في المرحلة المقبلة. بعض التحليلات المتداولة في الأوساط السياسية وعلى منصات التواصل تشير إلى احتمال انخراط دول أطلسية وأوروبية بشكل أعمق في أي مواجهة مباشرة مع إيران، وفي مقدمها بريطانيا وربما ألمانيا، ما قد يرفع مستوى التصعيد إلى درجات غير مسبوقة.

وبالتوازي مع الضغط العسكري، يبدو أن هناك مساراً آخر يجري العمل عليه، يتمثل في محاولة إحداث اختراقات داخل الساحة الإيرانية نفسها.

فالتاريخ الحديث للصراعات الكبرى يظهر أن استهداف القيادات العسكرية والسياسية، إلى جانب الضغوط الاقتصادية والإعلامية، غالباً ما يكون جزءاً من استراتيجية تهدف إلى إضعاف بنية النظام من الداخل.

غير أن مثل هذه السيناريوهات تبقى محفوفة بالمخاطر. فمحاولات إسقاط الأنظمة عبر الضغط الخارجي غالباً ما تدفع تلك الأنظمة إلى التصعيد بدل التراجع، لأن البديل بالنسبة لها يصبح مسألة وجودية. وفي حالة إيران فإن أي محاولة لدفعها إلى الزاوية قد تدفعها إلى توسيع نطاق المواجهة إقليمياً، وهو ما قد يحوّل الصراع إلى حرب متعددة الجبهات.

من هنا يبدو أن المنطقة تقف اليوم على حافة مرحلة أكثر عنفاً وتعقيداً. فإسرائيل التي تقاتل كأخطبوط على جبهات متعددة قد تجد نفسها في مواجهة معادلة استنزاف طويلة، بينما يراهن خصومها على أن الزمن والجغرافيا قد يعملان ضدها في نهاية المطاف.

السؤال الحقيقي إذن ليس ما إذا كانت الحرب ستشتد، بل إلى أي مدى يمكن أن تتسع جغرافيتها، ومن سيملك القدرة على تحمّل كلفتها الأطول. ففي الحروب الكبرى، كثيراً ما تكون المفاجآت مخبأة في اللحظة التي يظن فيها الجميع أن كل الأوراق قد كُشفت.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى