حكاية رنا تتحول إلى مبادرة إنسانية… العطاء أثرٍ لا يرحل

محمد دهشة
حكاية رنا… تختصر سيرة الشابة رنا الجعفيل وعمرها القصير بالجسد، الطويلٍ بالأثر. وتجسد مسيرة شابةٌ صيداوية اختارت طريق الإنسانية مبكرًا، فانخرطت في العمل التطوعي عبر مؤسسات الهيئة الإسلامية للرعاية، حيث جعلت من العطاء أسلوب حياة، ومن خدمة الناس رسالةً لا تعرف التراجع.
واجهت رنا مرضًا عضالًا باغت جسدها، فخاضت معه معركة صامتة، وانتصرته مرةً بإرادتها وصبرها، قبل أن يعود الموت ليغلب الجسد، ويبقى الأثر حيًّا لا يُهزم. كانت في حياتها نموذجًا للمتطوعة التي لا تنكسر، حتى حين يشتدّ الألم، فكانت تسبق وجعها إلى الأطفال، وتزرع في وجوههم ابتسامةً تقاوم الانكسار.
وبعد رحيلها، لم تترك رنا فراغًا فقط، بل تركت سيرةً طيبةً ويدًا امتدت بالخير، وقلبًا ظلّ نابضًا بالعطاء. آمنت أن خدمة الإنسان عبادة، وأن ابتسامة طفلٍ قد توازي في قيمتها حياةً كاملة، فصارت مثالًا للمتطوعة الصادقة التي حوّلت وقتها وجهدها إلى رسالة إنسانية خالدة.
وتحت شعار “لأن الأثر الطيب لا يرحل”، أطلقت مؤسسات الهيئة الإسلامية للرعاية مبادرة وفاءٍ لذكراها حملت اسمها – مبادرة رنا، وأقامت حفلا تكريميا في قاعة بلدية صيدا، بحضور أمين سر “تجمع المؤسسات الأهلية” في منطقة صيدا ماجد حمتو، وشخصيات اجتماعية وأهلية وإنسانية ومتطوعين امتلأت بهم القاعة، وذرف كثيرون الدموع تأثرًا خلال عرض فيلمٍ وثائقي وثّق حياتها ومسيرتها.
إيهاب توتونجي
وفي كلمة مؤثرة، قال مسؤول العلاقات والتسويق في مؤسسات الهيئة الإسلامية للرعاية إيهاب توتونجي إن اللقاء “ليس رثاءً لغائبة، بل احتفاءٌ بأثرٍ باقٍ في القلوب”، مشيرًا إلى أن رنا رحلت جسدًا لكنها بقيت روحًا حاضرة في كل فعل خيرٍ وكل يدٍ تمتد بالعطاء.
وأضاف أن إطلاق اسمها على المبادرة هو تأكيد على أن أصحاب الأثر لا يغيبون، بل تستمر رسالتهم في كل عملٍ إنساني، وفي كل طفلٍ يُزرع في قلبه الأمل من جديد، متوجهًا بالدعاء أن يتقبلها الله في الصالحين، وأن يجعل ما قدمته في ميزان حسناتها.
كوثر القيسي
من جهتها، استعرضت منسقة العمل التطوعي لمؤسسات الهيئة الإسلامية للرعاية، كوثر القيسي مسيرة رنا التطوعية، مؤكدة أنها لم تبخل بجهدها حتى في ذروة مرضها، وظلت حاضرة في ميادين الخير، ما جعل رحيلها خسارةً لا تقتصر على المؤسسة، بل تمتد إلى العمل التطوعي في صيدا ولبنان.
آمال الجعفيل
أما شقيقتها آمال الجعفيل، فقد خانتها الكلمات وغلبتها الدموع وهي تتحدث عن أختٍ كانت مثالًا للخلق والخدمة، مؤكدة أن المصاب بفقدها كبير، إلا أن عزاء العائلة أن أثرها الطيب سيبقى حاضرًا لا يغيب.
باسم سعد: رنا الروح والنبض والامل
وفي كلمته، قدّم المدير العام لمؤسسات الهيئة الإسلامية للرعاية الدكتور باسم سعد قراءةً لمسيرة الراحلة، معتبرًا أن اللقاء ليس لاستحضار الغياب بل لتكريم أثرٍ لا يُمحى، مشيرًا إلى أن رنا حملت همّ الطفل المريض والعائلة المحتاجة، وجعلت من العطاء نهجًا ثابتًا في حياتها.
وأكد سعد أن الراحلة كانت تعمل بإخلاصٍ نادر، تواجه الألم بابتسامة، وتستمد من معاناتها دافعًا إضافيًا للعطاء، حتى في أشد مراحل المرض، حيث كانت تعود إلى عملها كلما سمحت لها حالتها الصحية، وكأنها تنتصر للحياة في كل مرة.
وأعلن خلال الحفل إطلاق مبادرة إنسانية مستدامة تحمل اسم “رنا”، تقوم على ثلاثة محاور رمزية: الراء – “الروح” التي تمثل جوهر عطائها، والنون – “النبض” الذي يعكس الحياة والألف – الأمل للأطفال والمرضى، والذي يبقى حاضرًا ما دام الخير قائمًا بين الناس.
واختُتم الحفل بتسليم درع تكريمية لعائلة الراحلة من سعد وحمتو، وسط أجواءٍ غلب عليها التأثر الشديد، وإجماعٍ على مواصلة الطريق الذي سارت فيه رنا، ليبقى اسمها حاضرًا في مسيرة العمل الإنساني، وامتدادًا لنهجٍ من العطاء والرعاية الذي رسخته مؤسسات الهيئة الإسلامية للرعاية على مدى سنوات.












































